‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات منوعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات منوعة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 مارس 2026

مقتطفات عن ليبيا من كتاب "أفريقيا بين الأحلام والواقع"

 

في سنة 1947 خلال عهد الإدارة البريطانية سيئة الذكر لليبيا، قام مهندسان من تشيكوسلوفاكيا هما جيري هانزيلكا وميروسلاف زيكوند برحلة عبر شمال أفريقيا بسيارتهما من طراز تاترا تشيكوسلوفاكية الصنع، حيث وصلا إلى مدينة طنجة بالمغرب قادمين بحرا من مارسيليا، ثم تابعا الرحلة إلى الجزائر ثم تونس ثم ليبيا انتهاء بمصر، وخلال مرورهما بليبيا التقطا بعض الصور ودونا بعض السرد التاريخي الموجز عن ليبيا مع ملاحظات عن مشاهداتهما في طرابلس وغريان ومصراتة، ولكن كعادة المستشرقين، شاب كتاباتهما معلومات مغلوطة وتشويه كبير لعقيدة المسلمين ونظرة استعلاء نحو أهل البلاد، مما يدفعني إلى تجاوزها عند نقل الترجمة لأنها لا تستحق إلا الإهمال، واخترت فقط مقتطفات من كتابهما، وقمت بتصحيح بعض المعلومات الخاطئة بوضع ملاحظتي بين قوسين، وكذلك قمت يتصحيح بعض الأخطاء النحوية التي وقعت نتيجة الترجمة الآلية، وقد أرفقت صور الرحلة بعد توضيح جودتها.

النص الأصلي كان باللغة الروسية ولعدم إلمامي بها قمت بترجمته بأداة الترجمة الآلية، وكان اسم الكتاب هو "أفريقيا بين الأحلام والواقع"، وأترككم مع مقتطفات من الكتاب.


 

أفريقيا بين الأحلام والواقع.
رافقتنا مشاهد الموت والدمار بشكل شبه متواصل من خط مارث إلى العاصمة طرابلس (خط مارث هو خط تحصينات فرنسية في تونس). لكن حتى هناك، لم تجد أعيننا المنهكة راحةً من هذا المشهد. لا يزال ميناء طرابلس يعجّ بعشرات السفن الغارقة. ترقد المدمرات الألمانية بجانب سفن أمريكية من طراز ليبرتي. وهناك سفن أخرى كثيرة تقبع تحت سطح البحر، حيث تنحت الأمواج هياكلها الصدئة على طول ممشى طرابلس الرائع المزدان بأشجار النخيل (يقصد كورنيش الكونت فولبي).
لم يكن لدى الإيطاليين الوقت الكافي لترسيخ سيطرتهم بالقوة في المستعمرة الجديدة. فقد حوّلت الحرب العالمية الأولى انتباههم إلى مسرح العمليات الأوروبي.
لم تترك خطط موسوليني التوسعية للفاشيين بصمة عميقة على طرابلس إلا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. احتلت المستعمرة الجديدة مكانة محورية في هذه الخطط. اقتصاديًا، لم تكن سوى بئرا لا قعر لها تغرق فيها مليارات الليرات سنويًا. مع ذلك، رأى موسوليني فيها منطلقًا لغزو مناطق أخرى أكثر إنتاجية في القارة الأفريقية. في خططه الخيالية، أطلق على البحر الأبيض المتوسط اسم "ماري نوستروم" ("بحرنا"). كان من المقرر أن يصبح بحيرة إيطالية، مع قاعدة عسكرية تُبنى على شاطئه الأفريقي، ضرورية لمزيد من الفتوحات.
طرابلس، رغم آثار الحرب المدمرة عليها، بدت لنا كسراب بعد مئات الكيلومترات من الصحراء. شوارعها الحديثة الواسعة تصطف على جانبيها مبانٍ فخمة، وواجهات منازل أنيقة، وأشجار نخيل رشيقة تنعكس على الأسفلت اللامع. تصطف على جانبي الشوارع أزهار الدفلى البيضاء والوردية والحمراء. وتنتصب مسلة نحيلة تحمل رمزية الذئبة الرومانية التي أرضعت رومولوس وريموس. أما مقر إقامة نائب الحاكم فيُضاهي أي عاصمة أوروبية. وقد نشأت الأحياء الحديثة للمدينة أمام أسوار القلعة التركية القديمة على مساحات شاسعة من الأراضي المستصلحة من الكثبان الرملية. قبل بضع سنوات فقط، كانت الخيام منصوبة هنا، حيث كان البدو العرب يبيعون لحم الإبل وصوف الأغنام، كما يفعلون اليوم في سوق الجمعة النائي.
لقد شهدنا بأم أعيننا ثمار عمل الإيطاليين الذين أجبرتهم المجاعة على مغادرة شبه الجزيرة المكتظة بالسكان. لم تُقدّم لهم ليبيا أي وعد بالثراء السريع أو الحرية المطلقة. انتشرت أبراج فولاذية مزودة بتوربينات رياح في الصحراء القاحلة. وتدفقت المياه من آبار ارتوازية على عمق مئة متر. وبدلاً من الكثبان الرملية، تحوّل الساحل إلى كروم عنب، وبساتين زيتون، وأشجار نخيل، وأشجار برتقال وخوخ، وحدائق خضراوات، وبساتين فول سوداني. ونشأت قرى حديثة، تُبشّر بالأمل للعاطلين عن العمل في جنوب إيطاليا.
لقد شُيّدت هذه الواحات جميعها بأيدي عامة الناس في نضال دؤوب ضد رمال الصحراء. لكنها، بطبيعة الحال، لم تكن ملكًا لمن أنشأها، بل استولت عليها بنوك الأراضي والرهن العقاري بقروض طويلة الأجل. تم تجاهل مصالح العمال وصغار الملاك. كان موسوليني بحاجة إلى القوى العاملة الليبية لتوفير إمدادات غذائية لجيشه العدواني المستقبلي من العدم. وإذ كان يستعد لغزوات مستقبلية، لم يرغب في جعل قواته تعتمد على شحنات الغذاء البحرية، التي كانت تتمركز على طرفيها حصون وأساطيل بريطانية.
حتى عام 1935، لم يكن هناك طريق بري يربط الدار البيضاء بالقاهرة. في مصراتة الواقعة شرق طرابلس، ينتهي الطريق المعبد، وإلى الشرق منه، لا يوجد إلا طريق ترابي مهمل، وعلى طول خليج سرت، لم يكن هناك طريق على الإطلاق. في ظل هذه الظروف، كان من الصعب للغاية، في حال نشوب حرب، تزويد الجيش بالإمدادات العسكرية.
كانت هذه الاعتبارات تحديداً هي القوة الدافعة التي أدت إلى بناء الطريق، الذي شكل أساس العمليات العسكرية، في أقل من عامين.
يمتد حاليًا شريط واسع من الطريق السريع المعبّد بطول 1822 كيلومترًا من الحدود التونسية إلى مصر. خلال الحرب، تضرر الطريق في بعض أجزائه، لكن السلطات العسكرية البريطانية في ليبيا لم تُصلح مترًا واحدًا منه. بعد اكتمال بنائه، سمح الطريق الساحلي لسيارات السباق بالوصول إلى سرعات تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة. وكانت المنعطفات نادرة على هذا الطريق.
شُيّد الطريق بأكمله بوتيرة محمومة. بدأ البناء في طرابلس في 15 أكتوبر 1935. وبعد ثلاثة أشهر، بدأ العمل في برقة. كان لا بد من نقل ملايين الأمتار المكعبة من الرمال، وتقوية الأساس غير المستقر، ولم يقتصر الأمر على نقل الإسمنت والإسفلت من موانئ بعيدة، بل شمل أيضاً العمال والغذاء ومياه الشرب.
تم إنجاز العمل في درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية في الظل. تم حفر عشرات الآبار الارتوازية. وانتشرت الثكنات السكنية ومطاعم العمال كالفطر بعد المطر.
في ذروة أعمال البناء، بلغ عدد العمال 12 ألف عامل. بواقع عشر ساعات يوميًا، أُنجزت في أقل من عامين. وهكذا، في عام 1937، رُبط كامل ساحل شمال أفريقيا، من الدار البيضاء إلى الإسكندرية، بطريق سريع طوله 6 آلاف كيلومتر.
استغل الإيطاليون التضاريس الشاسعة والمسطحة بالقرب من عاصمة طرابلس. وقاموا ببناء مضمار سباق هناك مع مدرجات خرسانية مسلحة حديثة تتسع لـ 16000 متفرج.
الآن تبدو خاوية. رأينا هذا الملعب الرياضي لأول مرة، حيث كانت المشاعر تغلي، في ليلة مقمرة صافية. تركت واجهته الرقيقة والجميلة، بدرج مدخلها الحلزوني، المضاء بضوء القمر، نفس الانطباع الحزين الذي تركه المدرج المنسي في الجم - بقايا إمبراطورية أخرى أقدم، لم يبقَ من مجدها السابق سوى صور على طوابع البريد التونسية. كانت مدرجات الجم الحجرية تتردد فيها أصداء مباريات المصارعة الدموية. أما مدرجات ملعب سباق طرابلس، فقد اجتذبت آلاف المتفرجين بسياراتهم المرسيدس وأوتو يونيون المصنوعة من الفولاذ، بالإضافة إلى أسماء سائقي السباقات مثل اراكيولا ولانغ ونوفولاري.
لكن حتى وراء سباقات السيارات، كانت هناك أهداف عسكرية خفية. فقد درس المصممون والمهندسون العسكريون الألمان والإيطاليون أداء سيارات السباق هنا بدقة متناهية. درجات الحرارة المرتفعة، وحلبة السباق المشمسة، وحبيبات الرمل المجهرية المنتشرة باستمرار في الهواء - كانت هذه هي الظروف التي تمكن فيها الألمان والإيطاليون من اختبار فلاتر الهواء، وأنظمة تبريد المحرك، وأنظمة تبريد الإطارات بهدوء ودون إزعاج - كل ما سيُستخدم لاحقًا في ظل نفس الظروف في موقف عسكري.
تزداد الحفر التي خلفتها آلاف الدبابات والمركبات العسكرية على الطرق المعبدة اتساعًا وعمقًا. ولا تزال عشرات السفن الغارقة تصدأ في الموانئ، مما يعيق الملاحة. وتنتشر آلاف الألغام غير المنفجرة تحت رمال الصحراء، تحصد الأرواح وتلحق خسائر بقطعان الرعاة البربر الرحل.
أشجار الزيتون، التي كانت تحمي من الرمال المتحركة في أعماق الصحراء، تجف وتتناقص أعدادها، ويبيعها الإنجليز للتجار العرب.
تتحول بساتين الفاكهة وأحزمة أشجار الكينا تدريجياً إلى أكوام من الفحم المتوهج. والآن بتنا نفهم مصدر الفحم الذي يحمله العرب يومياً في شوارع طرابلس، ويبيعونه بالكيلو لأصحاب المقاهي وسكان المدينة.
لا توجد خطوط هاتفية بين طرابلس وبرقة. باعت السلطات العسكرية البريطانية أسلاكًا نحاسية، قُطعت جراء القصف الجوي، إلى مصر بالوزن. وتعتبر ذلك "دفعة أولى بسيطة" من التعويضات. من الصعب إيجاد مثال أوضح على الاستغلال الفاضح في بلد محاصر.
سألنا مسؤولا رفيع المستوى في الإدارة العسكرية البريطانية في طرابلس فقال: "لماذا نستثمر؟ لدينا ما يكفي من الهموم فيما يتعلق بسداد ديوننا لأمريكا". ثم توقف للحظة وأضاف: "لا يمكنكم ضمان بقاء ليبيا تحت سيطرتنا، أليس كذلك؟"
لا يشعر البريطانيون في طرابلس بأي مسؤولية تجاه البلد الموكل إليهم. فهم يتصرفون هنا بشكل مختلف تمامًا عما يفعلونه في مستعمراتهم، حيث تُحسب سياساتهم الأنانية على المدى البعيد. في ليبيا، يتصرف البريطانيون كمستأجرين مؤقتين، يسعون إلى استغلال الأرض المستأجرة إلى أقصى حد ممكن، غير مكترثين بأنها ستتحول إلى صحراء قاحلة بعد رحيلهم.
في ثلاثينيات القرن العشرين، كان الليبيون يعملون ويكسبون وينفقون أموالهم ببذخ. لم تكن شوارع طرابلس تستوعب تدفق النازحين الذين كانوا يُنقلون يومياً على متن السفن القادمة من شبه الجزيرة. نمت المدينة نمواً سريعاً. ولا تزال أسقف المطاعم الخرسانية الخشنة ذات العوارض الخشبية المكشوفة شاهدة على السرعة التي بُنيت بها المدينة.
تضم المنطقة أيضاً مطاعم أنيقة على شاطئ البحر مزودة بشرفات وحلبات رقص. ويقع فندق المهاري على ركائز في البحر، يشبه سفينة بخارية ضخمة. لطالما شعر الإيطاليون بالراحة في هذا المكان الأنيق، حيث كانوا يبحثون عن أمسية ممتعة بعد يوم طويل من العمل الشاق والتعرض لحرارة رياح "القبلي" الصحراوية الجنوبية اللاهبة.
نفقٌ يبدأ من ساحة رقصٍ مُطلّة على البحر، ويمتدّ عميقًا تحت الأسفلت الأملس للطريق، يقودك إلى الجانب الآخر، إلى ساحات فندق المهاري الرائعة في النصف الثاني منه. ساحاتٌ ظليلةٌ تتزين ببركٍ مُرصّعةٍ بالفسيفساء، ونوافير، ومجموعاتٍ من أزهار السنط، ورائحة الدفلى الفوّاحة. غرفٌ دافئةٌ تنضح بنظافةٍ مُرحّبة. صورها تُضاهي في جاذبيتها على أغلفة خرائط الطرق الليبية ابتسامة امرأةٍ عربيةٍ فاتنةٍ تقف على امتداد الطريق الساحلي، أو صورة ظلية لأشجار النخيل وقوس بوابة فيليني المهيب على الحدود القديمة بين طرابلس وبرقة، حيث أمر موسوليني بنقش اسمه "إلى الأبد".
يصطفّ طابورٌ من العاطلين عن العمل الجائعين، يحملون أواني الطعام، أمام مطعمٍ عام. وجوههم شاحبة، وملابسهم رثّة، ونظراتهم شاردة حائرة. مشهدٌ مألوفٌ من ثلاثينيات القرن الماضي في أوروبا، عاد اليوم إلى شوارع طرابلس. مئاتٌ من هؤلاء المشردين ينتظرون قارباً ينقلهم إلى إيطاليا. من بينهم عمال موانئ سابقون، وعمالٌ من ورش تصليح السيارات ومصانع التعليب، وملاك أراضٍ صغار من واحات الجفاف، وعمال خرسانة، وسائقون كانوا ينقلون براميل الإسفلت إلى مواقع بناء الطرق الليبية. وصل بعضهم إلى هنا قبل 25 عاماً، مفعمين بحيوية الشباب وأمل حياةٍ سعيدة. بينما وجد آخرون عملاً هنا بعد سنواتٍ من البطالة في أوروبا.
في غضون أيام قليلة، سيعودون إلى وطنهم على نفقة الحكومة، وقد تقدم بهم العمر، وأنهكهم التعب، وخاب أملهم. كم منهم فهم الأسباب الحقيقية لعودتهم المخزية؟
قبل الحرب، كان العامل الإيطالي يكسب 600 ليرة شهريًا في ليبيا، بينما كان الموظف يكسب 1000 ليرة. وكانوا يدفعون ما بين 50 و150 ليرة شهريًا لشقة من غرفتين. وكانوا ينفقون من 5 إلى 7 ليرات على الطعام الجيد. وبمبلغ يتراوح بين 150 و300 ليرة، كان بإمكان المرء أن يرتدي ملابس أنيقة من رأسه إلى أخمص قدميه. وكانت تذكرة السينما تُباع بـ 1.20 ليرة. أما الآن، فتدفع 30 ليرة. وسعر الغداء في مطعم متوسط 60 ليرة، وفي مطعم جيد ضعف هذا المبلغ.
لم تكن الفجوة في الأجور بين الإيطاليين والعرب في طرابلس حادةً كما كانت في مستعمرات أفريقية أخرى. يتقاضى العامل العربي حاليًا 60 ليرة مقابل يوم عمل شاق في الميناء، حيث يحمل أكياسًا تزن 100 كيلوغرام. في المقابل، يبلغ سعر كيلوغرام السكر رسميًا 95 ليرة، وكيلوغرام الزبدة 450 ليرة. ولا يُسمح للعرب بدخول مطابخ إطعام الفقراء العامة.
تشبه طرابلس في نواحٍ عديدة موانئ شمال أفريقيا الأخرى. فقد تغلغلت الروح الأوروبية وتغلغلت بعمق في حياةالمسلمين بالمدينة، كما هو الحال في الدار البيضاء والرباط ووهران والجزائر وصفاقس. ومع ذلك، يبقى الطابع الشرقي النابض بالحياة حاضرًا بقوة، حاضرًا بقوة في أعماق المدينة؛ إذ يُمكن الشعور به ورؤيته وسماعه عند أول زيارة لها. فمشهد طرابلس الصوتي لا يُخطئه أحد.
"أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله..."
يتردد لحنٌ عذبٌ في ظلمة الليل الخافتة. إنها الخامسة صباحًا. ينتقل صوت المؤذن العالي الرخيم من نغمةٍ إلى أخرى، مرتعشًا بنبرةٍ خافتةٍ عميقة، ثم يتجمد فجأةً، كما لو كان يسقط من شرفة المئذنة. "أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله..." لا تزال المدينة نائمة، لكن المؤذن يدعو المؤمنين إلى صلاة الفجر. ثم يعود الهدوء ليعم أسطح المدينة من جديد.
مع شروق الشمس، يتردد صدى صوت رجل، كصراخ طفل، في الشارع. "أوااا، أوااا"، يزداد وضوحًا. يصل صدى "أوااا" المدوي إلى نوافذك، ثم يضعف تدريجيًا ويختفي تمامًا خلف صفوف المنازل. إنه بائع يحمل سلة بيض ضخمة على رأسه، يوازن نفسه بيديه، ويكرر صراخه المتذمر بدقة آلية. يتبعه بائع فحم، وبائع خضار، وبائع دواجن. يمتزج نهيق الحمير مع الصراخ الرتيب.
أشهد ألا إله إلا..." ننظر إلى ساعاتنا. إنها الثامنة تمامًا. كانت كذلك بالأمس، وستكون كذلك غدًا. للمرة الثانية، يدعو المؤذن المؤمنين إلى المئذنة الرشيقة لشكر الله بصلاة "السبت (لا يوجد شيء في الإسلام شيء اسمه صلاة السبت وهذا ناتج عن جهل الكاتب بالإسلام)
"صحف.... صحف..." يمتزج صوت بائع الصحف العربية الحاد فجأةً مع أنين المؤذن. يهرع صبي في السابعة من عمره، يرتدي سروالًا ممزقًا، ومروحة ورق مطبوعة ترفرف في الهواء، مسرعًا، حريصًا على ألا يفوت زبائنه اليوميين. بعد نصف ساعة، يُسمع صوت "الصحف" مرة أخرى، لكن هذه المرة يبدو حزينًا ويائسًا. يعود منافس البائع الأول إلى المطبعة عبر طريق ملتف، على أمل التخلص من نسختين أو ثلاث نسخ أخرى وكسب بضعة سنتات. ومن الشارع، يمكن سماع رنين أجراس بائعي المثلجات والثلج، وآلات شحذ السكاكين المهترئة.
فجأةً، يمتزج الإيقاع المميز لطبول الباس والسنير بضجيج الشارع. تقترب الأصوات ببطء. يتخلل الإيقاع ذو الخمس نغمات ربعية لحنٌ شرقي لآلة خشبية تُذكّر بآلة الأوبوا. يتنوع اللحن ضمن ست نغمات كاملة. في البداية، يبدو رتيبًا للغاية، لكن سرعان ما تكتشف الأذن اختلافات دقيقة في الزخارف الصوتية ومدة النغمة. اللحن الرئيسي وحده، كأساس متين، يستمر دون انقطاع.
تزداد الموسيقى وضوحًا. تظهر أربع عربات من خلف الزاوية، مزينة بشرائط ملونة ورايات خضراء تحمل صورة النبي. (لا يوجد شيء في الاسلام اسمه صورة النبي ولا يوجد في ليبيا هذا الأمر، وفي الزفاف لم تكن توجد عادة حمل أية صورة وهو وهم من الكاتب دون شك)
إنه حفل زفاف عربي. يركض حشد من الأطفال والكبار وهم يصرخون خلف الموكب. ينتظر اثنان أو ثلاثة من سائقي سيارات الأجرة، وأصابعهم على البوق، بفارغ الصبر أن يختفي هذا الحشد الصاخب أخيرًا من خلف الزاوية التالية، ليتمكنوا من الفرار من فوضى العربات والحمير والبغال التي اكتظت بها الشوارع.
في هذه الأثناء، أسفل نوافذنا، يُطلق صاحب المطعم الإيطالي صفيرًا عاليًا. ولا يصمت إلا عندما يُحيّي زبونًا مألوفًا بعبارة "بونجورنو، كوم ستا..." المهذبة بشكلٍ مُتعمّد.
.محمداً رسول الله..." يمتزج الصوت الإيطالي الرخيم بكلمات عربية حزينة. يدعو المؤذن بصوته المرتعش إلى "الظهر" - الصلاة الثالثة. لا شعوريًا، تنظر إلى ساعتك وتضبطها على الواحدة ظهرًا، فالمؤذن أدق من ساعة بيغ بن في لندن.
بعد الظهر، تهدأ الشوارع لساعتين، وكأنها بفعل السحر. قيلولة ما بعد الظهر أشبه بتعويذة سحرية تُلقي بظلالها مرة واحدة في اليوم. الشمس في كبد السماء.
في تمام الساعة الثالثة، يتردد صدى طرق مطرقة رتيبة من المتجر المقابل في الطابق الأرضي. إنه صائغ الذهب العربي، يستيقظ من قيلولته بعد الظهر.
ثم يمتلئ الجو مجدداً بصوت الطبول، أعلى بثلاث مرات من صوتها في الصباح: حفل زفاف عربي، لكن هذه المرة أكثر فخامة. عربات كثيرة، وضيوف ومتفرجون كثر. وفي فترة ما بعد الظهر، يحتفل الأثرياء بالزفاف. الموسيقى الرتيبة وحدها هي التي تبقى على حالها.
في تمام الساعة الخامسة، دوّى صوت المؤذن للمرة الرابعة. وكأنه منبه، أيقظ من يفضلون الراحة الطويلة. حان وقت صلاة العصر. ربما صلى بائع التين في الثامنة صباحًا، ثم صلى طوال اليوم. لم يكترث بتاتًا لتداخل صيحاته العالية عن بضاعته شبه الفاسدة مع نداءات المؤذن للمؤمنين.
مع حلول المساء، يتردد صدى صوت ارتطام جاف في الشوارع، كأنه برد يتساقط. إيقاع مسيرة، أصوات طبول وأبواق، أصوات أطفال. لا يسع المرء إلا أن يتذكر فرق النازيين القاصرين الذين ساروا في الشوارع حاملين سكاكين في أحزمتهم. وبالفعل تظهر فرقة الشبان العرب في الشارع، وقد أتقنوا تقاليد "الباليلا" الإيطالية القديمة تحت حماية السلطات العسكرية البريطانية. يمر مراهقون عرب يرتدون الزي العسكري.
تدوي الطبول. وتقلّد خطواتهم السريعة الخطوات الألمانية. يتساءل المرء لماذا تُجبر سلطات الاحتلال هؤلاء الشبان ذوي البشرة السمراء على الخضوع للتدريبات العسكرية؟
بعد غروب الشمس، يظهر المؤذن مرة أخرى ليدعو إلى صلاة المغرب، وهي الصلاة الخامسة وقبل الأخيرة (في الإسلام لا توجد إلا خمس صلوات).
من النوافذ المفتوحة للشقق العربية والأوروبية، ومن خلف الستائر المزخرفة عند مداخل المقاهي، ينساب مزيجٌ متنافرٌ من الأصوات، موسيقى الجاز الأمريكية، ولحنٌ نابضٌ بالحياة لأغنيةٍ شعبيةٍ عربية، وبرنامجٌ موسيقيٌ أوروبيٌّ يُحييه بنيامين جيجلي، بُثَّ من باري. وفوق كل هذا، يُصدر جهاز غراموفون صوتاً أزيزاً، محاولاً التغطية على فوضى الأصوات المتداخلة بنغماتٍ خشنةٍ لموسيقى فالس شتراوس، تُعزف على الأرجح عشر مراتٍ يومياً طوال عامٍ كامل. بالمقارنة مع شوارع طرابلس المسائية، تبدو احتفالات عيد القديس متى وكأنها مكانٌ ينعم بالسكينة والهدوء الروحي.
في تمام الساعة العاشرة، يتردد صدى أصوات أبواق عالية من سينما مكشوفة قريبة. هذه هي مقدمة النشرة الإخبارية الصوتية الأسبوعية باللغة العربية، التي تُبث كل أسبوعين من القاهرة. ثم، وللمرة السادسة والأخيرة، يظهر المؤذن ليُذكّر المصلين بوقت العشاء - وقت التوبة الليلي. تتخلل النغمات الأخيرة للصلاة أصواتٌ صاخبة لمونتاج إذاعي سريع لأفلام إخبارية مصرية. ربما مباراة كرة قدم أو خطاب سياسي من القاهرة. عشر ثوانٍ من الصمت، ثم يسمع الجمهور، وهم عرب طرابلس، موسيقى الجاز - مقدمة أحدث فيلم أمريكي ملون من بطولة ديانا دوربين. في مكان ما على الجانب الآخر من الشارع، تحاول سينما مكشوفة أخرى التغطية على منافستها، ولكن دون جدوى: ديانا دوربين لا تُضاهى
مع حلول منتصف الليل، هدأت ضجة المدينة قليلاً. ثم، في مكان ما على مشارفها، دوّى صياح ديكٍ معلناً منتصف الليل. هل هذا هلوسة؟ لكن بعد خمس دقائق، أقنعتنا مئات الديوك المنتشرة في أرجاء طرابلس أن الأمر ليس كابوساً. ولدهشتنا، اكتشفنا أن كل سطح منزل تقريباً يحوي قن دجاج. بعد منتصف الليل، غطت أصوات الديوك على كل ضجيج المدينة لمدة عشرين دقيقة.
ثم فجأة، يتردد صدى صرخة طفل حادة من الشارع. ينضم إليها طفل آخر، ثم ثالث، ثم خامس، وفي غضون ثلاث دقائق، تُعزف حفلة موسيقية رائعة تحت نافذتك. تتنقل ظلال عشرات قطط طرابلس بين ظلال المنازل والشرفات والأفاريز والتراسات. يستمر صخبها لمدة نصف ساعة، ويبلغ ذروته في مبارزة بين قطط غيورة. ثم يعود الصمت، لكن ليس لفترة طويلة. يدوم الصمت عشر دقائق فقط، يمكنك خلالها ممارسة لغتك العربية وتعلم بعض الكلمات النابية، على الرغم من أنك تُصدم عندما تعلم أن إحدى المشاركات في الشجار هي امرأة عربية من المنزل المقابل. ربما كانت تكافئ نفسها بهذا الشجار الليلي على يوم كامل من العزلة قضته خلف قضبان سجن منزلها (تعبير وضيع ومستهجن كعادة المستشرقين في تشويههم لواقع المسلمين).
حوالي الساعة الثانية صباحًا، تمتلئ الشوارع بأصوات متحمسة. يمرّ سائقو سيارات الأجرة واحدًا تلو الآخر، عشرة، عشرون... جميعهم يرتدون الزي العسكري. بعد الساعة التاسعة مساءً، لا تُباع المشروبات الكحولية إلا لجنود قوات الاحتلال. يستطيع سائقو سيارات الأجرة، بخيولهم العرجاء وعرباتهم المتهالكة، كسب بضعة ليرات على الأقل ليلًا من الجنود، الذين يستقلون عربة على طول السد لتهدئة رؤوسهم المحمومة قبل العودة إلى ثكناتهم.
في تمام الساعة الثالثة صباحاً، تُعيد الديوك صياحها. وفي تمام الساعة الرابعة، تنضم إليها القطط المتأخرة في تضامنها.
قبل ساعة من شروق الشمس، يغلق الخاتم.
"أشهد ألا إله إلا الله... أشهد أن محمداً رسول الله..."
الطريق إلى غريان:
على بُعد بضعة عشرات من الكيلومترات من الساحل، في قلب هضبة جبل نفوسة، ينتهي خط السكة الحديدية الضيق الذي بناه الإيطاليون. تمتد قضبان الصلب التي تُسخّنها الشمس، عبر الرمال في خط مستقيم لا نهاية له. مرة واحدة فقط في الأسبوع، تسير قاطرة بخارية صغيرة تجرّ بضع عربات على طول الخط، متجهةً نحو الداخل. وبجوار قضبان الصلب، يمتد شريط من الطريق السريع الإسفلتي في الأفق. وهو الآن في حالة أفضل بكثير من الطريق الساحلي الذي اجتاحته الحرب
قبل الوصول إلى الطريق الممتد إلى متاهة من المنعطفات المتعرجة، تصعد عبرها السيارة إلى ارتفاع عدة مئات من الأمتار فوق مستوى سطح البحر.
بدون مرشد خبير، من المستبعد أن تجد مساكن سكان غريان الذين يعيشون في الكهوف (يقصد الدواميس أو حياش الحفر). لم تكن سوى تلالاً منخفضة تشير إلى وجود سكن بشري في الصحراء. لم يكن هناك أي أثر لأكواخ متداعية أو خيام متنقلة للبدو البربر في أي مكان. هنا، يعيش الناس تحت الأرض.
ومع ذلك، ثمة فرقٌ جوهري بين المساكن الجوفية لسكان ليبيا المعاصرين وكهوف الإنسان ما قبل التاريخ، كما وصفها الإنجليزي وورثينجتون سميث. هنا، لم تُحفظ إلا أساليب بناء المساكن الأكثر ألفةً وسهولةً للبشر، الذين لم يروا قط الأقبية القوطية أو الهياكل الخرسانية المسلحة للمباني الحديثة. لطالما كانت الأرض حاميةً موثوقةً للإنسان. فهي لا تُحرق كالكوخ الخشبي، ولا تُدمر. خطر الفيضانات معدومٌ في الصحراء القاحلة. علاوةً على ذلك، وفرت الأرض ملاذًا طبيعيًا وبسيطًا من حرارة الصحراء التي تصل إلى 50 درجة مئوية، حيث يكاد ينعدم الغطاء النباتي والظل
رأينا بأم أعيننا أن سكان الكهوف الليبيين لا يعتبرون مبانيهم تحت الأرض أثراً تاريخياً.
وقد رأينا منزلاً جديدا ً يبنى بعد أن قام البربري بتحديد مربع على الأرض بدقة مساح خبير، طول ضلعه 15 خطوة، ثم اتصل بجيرانه وبدأ العمل معهم.
إنهم يعملون بحرصٍ وتأنٍّ. وعندما يصلون، بعد أسابيع من العمل، إلى عمق عشرة أمتار، يُحوَّل العمل من الوضع الرأسي إلى الوضع الأفقي. ومن إحدى زوايا البئر المحفورة إلى السطح، يُحفر ممرٌ طويلٌ مائلٌ، واسعٌ بما يكفي لمرور جمل. وعلى طول محيط أرضية البئر، لا تزال هناك مساحةٌ كافيةٌ لأنفاقٍ أخرى، تُوسَّع تدريجيًا وتُحوَّل إلى مساكن، ومخازن للحبوب ونبات الحلفا، وحظائر للماشية والإبل، وورش عمل.
أُعجبنا بنظافة مساكن العرب تحت الأرض. كانت ساحةٌ مُنظّفةٌ تمامًا، وحبلٌ مُعلّقٌ عليه الغسيل يمتدّ من زاويةٍ إلى أخرى. وفي شبه عتمة إحدى الكهوف، كان جملٌ يجتر. ونولٌ مهجورٌ يقف وحيدًا. وفي غضون دقيقتين، بينما كنا ننتظر عند مدخل المسكن، انسحبت جميع الفتيات والنساء البالغات إلى غرفٍ خاصةٍ يختبئن فيها من أعين الغرباء.
قام سكان غريان تدريجياً بتحويل الكهوف البدائية ذات المدخل الواحد إلى ورش لصناعة الفخار ومخازن لتجفيف البضائع. جدران المساكن تحت الأرض مطلية بطبقة من طين الفخار الناعم. أما الأعمدة البارزة من الجدران فهي لافتة للنظر، بخطوطها الملساء التي تبدو وكأنها مرسومة بمسطرة. وتُزيّن الأسقف بلوحات فنية رائعة ورسوم جدارية متقنة.
لا تُعدّ المستوطنات تحت الأرض في غريان وجبل نفوسة استثناءً على طول ساحل شمال أفريقيا. ويمكن العثور على مستوطنات معزولة من هذا النوع في جنوب تونس والجزائر والمغرب. وجميعها مساكن دائمة.
يعيش العرب الليبيون في مسلاتة وترهونة في خيام أو أكواخ بدائية، وفي الصيف ينتقلون إلى قرى تحت الأرض توفر لهم درجة حرارة معتدلة وظلاً بارداً.
في طرابلس يُلقح الأطفال ضد الجدري. وتُقدم الرعاية الصحية مجانًا في عيادة مستشفى طرابلس الخارجية.
في المسالخ النموذجية، المُغطاة ببلاط أبيض ناصع، والتي تُغمر بالماء يوميًا بعد انتهاء عملية الإنتاج، وجدنا ظروفًا صحية تُضاهي تلك الموجودة في أي مسلخ حديث في مدينة أوروبية كبرى. تُفحص كل قطعة لحم عدة مرات لضمان نقائها. لا يُمكن الاعتراض على هذه الإجراءات الصحية. في الواقع، لا يُسمح بدخول سوى الحيوانات السليمة. من البديهي أنه لا يُسمح بدخول الحيوانات المريضة، حيث تُذبح وتُباع خارج المسلخ.
في طرابلس، تُجرى مكافحة الحشرات أيضاً باستخدام حزم من العشب المنقوع في المطهرات، تُعلق على كل منزل. لكن هذه المكافحة، التي تُنفذ بشكل رسمي فقط عبر أوامر إدارية، لا تملك أي فرصة للنجاح أمام سيل التقاليد المتراكمة
في الأسواق، رأينا مراراً وتكراراً آثار جروح عميقة على أجساد العرب. كانت الجروح على صدغيهم وأذرعهم وأجسادهم من نفس المصدر. كانت هذه علامات تدخل "المعالجين" العرب
قبل فترة وجيزة، شاهدنا فيلم هاكنشميد عن "أساليب العلاج" البدائية في القرى المكسيكية، والذي عُرض في دور السينما في براغ. تركت براعته السينمائية انطباعًا قويًا. مع ذلك، لم يصور الفيلم سوى التعاويذ ووضع جلد الثعبان على الجروح. بالنسبة للعرب، تُعدّ التعاويذ والأعشاب العلاجية علاجًا ضعيفًا. فالعربي الطرابلسي، إذا شعر بألم، يعتقد أن روحًا شريرة قد دخلت جسده. وكلما اشتدّ الألم، ازداد شرّ العدو الذي دخل الجسد، وبالتالي، يجب أن يكون العلاج الذي يستخدمه "المعالجون" لطرده أقوى.
يمارس "المعالجون" العرب طقوسهم العلاجية في الأسواق الأسبوعية، حيث يقيمون أكشاكهم بجانب بائعي الطماطم ورؤوس الكباش والفحم. ورغم حظر أنشطتهم رسميًا، إلا أنهم يواصلونها دون عوائق في معظم أسواق المناطق الداخلية. العلاج الوحيد الذي يلجأ إليه هؤلاء المعالجون العرب هو مكواة محماة. لعلاج ألم العين، يقوم الدجال بكيّ جروح بالغة في صدغي المريض. لعلاج الالتهاب الرئوي، يكوي الظهر، ولعلاج اضطرابات الجهاز الهضمي، يكوي المعدة. إن بساطة هذه العمليات وعاديتها اليومية، التي تُجرى دون أي طقوس، أمرٌ مثير للدهشة. فهي لا تمت بصلة إلى الطقوس الغامضة لسحرة القبائل الأفريقية، والتي كثيرًا ما ذُكرت في روايات الرحلات القديمة عبر وسط أفريقيا.
إذا تعافى المريض بعد هذا "العلاج"، فالفضل يعود إلى "الطبيب"، وإذا مات، فذلك قضاء الله وقدره، ولا يقتصر الأمر على البدو الرحل فحسب، بل إن العديد من سكان الأحياء العربية في مدن طرابلس يثقون بهذه العلاجات أكثر بكثير من ثقتهم بالعيادات الخارجية وغرف العمليات المجهزة بأحدث التقنيات
في المناطق الداخلية لطرابلس، على الحدود الليبية التونسية، تُستخدم طريقة علاج مختلفة. فعندما يمرض طفل صغير، يذبح الرعاة خروفًا ويضعون الطفل المريض في أحشائه الدافئة، ويتركونه هناك حتى تبرد الأحشاء أو حتى يتصلب جسد الطفل، ولا يزال الاعتقاد سائدًا هنا بأن حرارة الحيوان المذبوح حديثًا تنتقل إلى جسد المريض وتشفيه. في الحالة التي شهدناها، كان الطفل يعاني من التهاب رئوي حاد وتوفي في أحشاء الحيوان. لا حيلة لنا، إنها مشيئة الله!
معدل وفيات الرضع في طرابلس مرتفع بشكل غير عادي. لا يتلقى الأطفال ولا الأمهات حتى الرعاية الأساسية. ذات مرة، خلال جولة في مزرعة كبيرة في سورميا (ربما يقصد صرمان)، رأينا بين الرجال والنساء البالغين العديد من الأطفال يعملون في تقشير وفرز اللوز. كانوا متسخين، نحيلين، ويرتدون ملابس رثة، لكنهم كانوا سعداء حتى بكسب بضعة ليرات أسبوعيًا وتناول ما يكفيهم من اللوز، خلال حديثنا، علمنا بالصدفة أن إحدى النساء العربيات أنجبت طفلها قبل وصولنا بوقت قصير، بين النسوة العاملات. وبعد ساعتين، رأينا المرأة تعمل، وكان الطفل مستلقياً على كومة من قشور اللوز.
في إحدى المزارع الكبيرة شهدنا دفع أجور العمال العرب، حيث كانت الزراعة تُمارس باستخدام أحدث التقنيات الزراعية والأساليب المتطورة. وكانت المزرعة تضم محطة توليد كهرباء خاصة بها، وعدة آبار مياه جوفية يصل عمقها إلى 800 متر، ومعصرة زيت صحية للغاية تُعالج ما يصل إلى 15 طنًا من الزيتون يوميًا، ومخازن تحت الأرض على شكل صوامع خرسانية ضخمة، وإسطبلات واسعة، ومبانٍ ملحقة أخرى. وبلغت المساحة الإجمالية للمزرعة 1300 هكتار.
كان صاحب المزرعة الكبيرة يمتلك عدة مزارع أخرى، تبلغ مساحتها الإجمالية قرابة ثلاثة آلاف هكتار. كانت لديه مزارع شاسعة من الزيتون والبرتقال واللوز والليمون، بالإضافة إلى مزارع الفول السوداني وكروم العنب وحدائق الخضراوات. لم يستطع لا مالك الأرض ولا مديرها إخبارنا بحجم المحصول السنوي، ببساطة لم يكونا على علم به. بضعة أطنان من البرتقال أو بضعة هيكتولترات من زيت الزيتون لا تُقارن بآلاف الأشجار والمساحات الشاسعة من الحقول.
لقد فاجأنا كثيراً الالتزام الدقيق بسجلات الأجور. لم تكن تُجمع حسب اسم العامل، فالأسماء العربية لم تكن تهمّ مالك الأرض الإيطالي، بل كان كل ما يهمه هو الدفعة الأسبوعية النهائية. وكان مبلغ هذه الدفعات زهيداً للغاية. كانت الأجور تُصرف لمجموعة عمل تتراوح بين أربعة وستة أشخاص، وكان يُطلب منهم العمل بمعدل 60 ساعة أسبوعياً.
قبل أكثر من ساعة من موعد صرف الرواتب، تجمع حشد من العمال رثي الثياب أمام مكتب مدير المزرعة الصغير. وقف الرجال بعيدًا عن النساء والأطفال. جميعهم نحيلون، يرتدون أسمالًا بالية، ينتظرون رواتبهم بصبر. استخدم مساعد المدير العربي سوطًا لصدّ أي شخص يقترب من الطاولة لمسافة ثلاثة أمتار. راقب الأطفال والنساء ذوو الوجوه الشاحبة بشغف يدي المدير الإيطالي وهو يعدّ الأوراق النقدية المجعدة والمتسخة بالزيت. مدّ الجميع أيديهم نحو المال، رغم علمهم أن الأجور ستذهب إلى قائد المجموعة، الذي سيوزعها بدوره على الآخرين. راقبنا عن كثب المبالغ الموزعة. تراوحت أرباح مجموعة من أربعة إلى ستة أشخاص بين 100 و250 ليرة. تلقت إحدى هذه المجموعات، المكونة من ثلاث نساء وثلاث فتيات، مبلغًا قياسيًا قدره 270 ليرة، أي أن كل عامل حصل على 45 ليرة. هذا ما كان يتقاضاه الشخص مقابل أسبوع من العمل، بينما كان سعر الكيلوغرام من الخبز 20 ليرة!
الآن بتنا نفهم مصدر ثروات ملاك الأراضي الإيطاليين التي تُقدر بملايين الدولارات، والذين يُملّوننا بشكواهم المتكررة عن العواقب الوخيمة للحرب الخاسرة. إنهم يتوقون إلى إثيوبيا، حيث كانت الأجور أقل بكثير. هناك، كانوا أحرارًا في فرض نظام عمل أشبه بالعبودية.
لقد فهمنا جهود صاحب المزرعة الكبيرة، الذي كان حريصًا على إبعادنا عن هذا المشهد المحرج، فعرض علينا كأسًا من النبيذ البارد. أراد أن يُرينا ثمار الجهود الاستعمارية الإيطالية التي حوّلت الصحراء إلى جنة على الأرض، لكنه لم يتوقع وصولنا في الوقت المناسب تمامًا ليوم صرف الرواتب يوم السبت، الأمر الذي سيُظهر بوضوح كيف ولمن بُنيت هذه الجنة.
بدافع الجشع الذي لا يشبع، لم يتردد ملاك الأراضي الليبيون في استغلال مواطنيهم. فقد افتقر مئات المستوطنين القدامى إلى الوسائل اللازمة لمواجهة أزمة ما بعد الحرب. كدحوا مع عائلاتهم في أراضيهم الجديدة لمدة تتراوح بين 15 و20 عامًا، لكنهم عجزوا عن سداد حتى جزء من ديون الرهن العقاري الباهظة. تولت الإدارة العسكرية البريطانية إدارة المؤسسات المالية للنظام المهزوم. أدرك البريطانيون أن موقفهم على المحك وأنهم لن يتمكنوا من الصمود طويلًا. لذلك، سعوا إلى استغلال البلاد قدر الإمكان خلال فترة الاحتلال القصيرة المتبقية لهم. طالبوا بالسداد الفوري للقروض طويلة الأجل من صغار الملاك بمجرد أن أدركوا أن لديهم أموالًا كافية لبيع أفضل التنازلات على الأقل لسداد ما تبقى من الديون. وهكذا، بعد سنوات من المشقة والكدح، وجد صغار الملاك أنفسهم مفلسين في المستعمرة السابقة، وانتقلت ممتلكاتهم إلى أيدي ملاك الأراضي الذين يملكون فائضًا من رأس المال. وتتفاقم التناقضات بسرعة غير مسبوقة. الأفراد، الذين يزدادون ثراءً وقوة باستمرار، يواجهون حشوداً عاجزة، فقيرة وضعيفة بسبب تشتتها، بينما العمال العرب الأكثر عدداً يعانون من الضعف بسبب أميتهم.
وهنا يتضح جلياً لماذا يعمل العمال في المزارع الليبية 60 ساعة في الأسبوع بأجور لا تكفي، في أحسن الأحوال وفي الحالات الاستثنائية، إلا لشراء كيلوغرامين ونصف من الخبز.
كشفت الدقائق التي قضيناها بين العمال العرب في المزرعة الليبية حقائق جديدة مذهلة. لكن لم نُدرك مدى عمق الأنانية والسخرية اللامحدودة لدى هذا الممثل للنظام الاستعماري اللاإنساني إلا في المحادثة الأخيرة مع مالكها، وهو إيطالي. أجبرته الحرب الأخيرة على الفرار من إثيوبيا، وتحدث عنها باشمئزاز، ولعن غراتسياني وبالبو.
السيد بياشنتيني، وهو مالك أراضٍ من طرابلس، غير راضٍ عن الحرب العالمية الثانية. فهو، كما تعلمون، مُجبر على العيش على مساحة ضئيلة لا تتجاوز 4300 هكتار في طرابلس، بعد فشل حزبه الفاشي في الانتصار في حرب العدوان. وقد خاب أمله من الحرب الأخيرة، إذ اضطر إلى التخلي عن ممتلكاته الشاسعة والأكثر ربحية في إثيوبيا.
يحلم السيد بياشنتيني بحرب جديدة تفتح الطريق أمام مستعمرات جديدة. الحرب تناسبه، إذ أن مفهوم الرجل المثالي لديه يتطابق مع مفهوم المفترس.
يحلم السيد بياشنتيني بحرب جديدة، لأنه مليء بالأنانية والجشع القاسيين، اللذين خنقا آخر بقايا الإنسانية فيه
في صيف عام 1947، عندما كنا نقود سيارتنا عبر ليبيا، يمكن وصف الوضع في البلاد بكلمة واحدة: الفوضى.
وبحسب الاتفاقيات الدولية، كان من المفترض أن تغادر القوات البريطانية ليبيا في عام 1947. إلا أنها لم تغادر إلا بعد ذلك بكثير.
لم يتوقع البريطانيون الاحتفاظ بطرابلس لفترة طويلة. سعوا إلى استغلال هيمنتهم المؤقتة لاستنزاف كل ما في البلاد، مما أدى في الوقت نفسه إلى تقويض أسسها الاقتصادية وبنيتها الداخلية. كان الهدف من ذلك هو تسهيل بسط نفوذهم لاحقًا، انطلاقًا من برقة المجاورة الخاضعة لهم تمامًا.
في طرابلس، لم نجد مترًا واحدًا من الطرق المُصلحة. أما أسلاك الهاتف، التي تضررت في أماكن عديدة خلال الحرب، فقد أُزيلت وبِيعت بالوزن في مصر. أحكم البريطانيون قبضتهم على التجارة الخارجية لدرجة أن الاتصالات مع إيطاليا أو المستعمرات الفرنسية المجاورة كانت تمر عبر لندن فقط.

الخميس، 3 أبريل 2025

سبب تسمية السبابة بهذا الاسم

 جاء في تفسير القرطبي رحمه الله:

السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام ، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة ، لأنهم كانوا يسبون بها ، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة ; لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد . وتسمى أيضا بالسباحة ، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت



الأحد، 3 مارس 2024

لهجتنا الليبية والأسماء الأجنبية التي تم تلييبها

 لهجتنا الليبية والأسماء الأجنبية التي تم تلييبها.

قد يستغرب البعض عنوان هذا المنشور، وهو بالفعل غريب بعض الشيء، ولكن كما يقال، إذا عُرف السبب بطل العجب.
إن مما يميز اللهجة الليبية أنها جاءت وسطا بين لهجات المشرق العربي اللينة ولهجات المغرب العربي الخشنة والتي يستصعب أهل المشرق فهمها، فاللهجة الليبية سواء في غرب البلاد أم في شرقها وجنوبها قد تختلف اختلافات بسيطة ومع ذلك الكل يفهم الآخرين ولا يستثقل ألفاظها، والليبي يمكنه بكل سهولة فهم لهجات المشرق والمغرب على حد سواء، وهناك كلمات أجنبية كثيرة في لهجتنا تم تلييبها (جعلها ليبية) مع مرور الزمن حتى صارت مألوفة ومشاعة بين الجميع، مثل مارشابيدي وفركيتا ولنقولي وكوجينة وغيرها الكثير والكثير، وفي هذا المنشور سأتطرق إلى أسماء بعض المناطق في طرابلس فقط كوني أحد أبنائها ولا يعني هذا إهمال بقية المدن لأنني لا أعرفها كما يعرفها أبناؤها، وبوسع الجميع المشاركة بإضافة أسماء مناطق ولو كانت ليست في طرابلس لتعميم الفائدة وتشارك المعلومات، وهذه بعض الأسماء حسبما تسعفني به الذاكرة الآن:


البوتشيني: وهي منطقة مجاورة لمعرض طرابلس الدولي وتتميز تلك المنطقة بأن شوارعها سميت في العهد الإيطالي على أسماء فنانين من ضمنهم جاكومو بوتشيني Giacomo Puccin وهو ملحن أوبرا إيطالي.
الطنطونة: المنطقة المحصورة ما بين شارع ميزران وشارع 24 ديسمبر خلف معهد جميلة، وهي تحريف لكلمة ottantuno اوتانتونو الإيطالية، وتعني 81 وهو اسم معسكر أحد الألوية الإيطالية الذي كان في تلك الناحية.
المنقيط: منطقة الملاحة، وهي تحريف لكلمتي Main Gate مين غيت الانجليزية، حيث كانت توجد البوابة الرئيسية لقاعدة الملاحة.
الفرناج: وهي مشتقة من كلمة fornace الإيطالية والتي تعني الفرن، وسميت بذلك بسبب وجود أفران الطوب بها. (معلومة نوعية الافران من تعليقات بعض الإخوة بارك الله فيهم)
ساليطة البراوية: وهي نهاية شارع خالد بن الوليد بالظهرة عند نقطة التقائه بالبحر، وكلمة ساليطة تحريف لكلمة Salita الإيطالية وتعني الصعود حيث أن هذا الشارع شديد الانحدار، وكلمة البراوية تحريف لبيرا أويا وسميت بذلك لوجود مصنع Birra Oea الذي كانت تملكه عائلة ألمانية بالشراكة مع إيطالي قبالة فندق قصر ليبيا.
كازالنجس: المنطقة الواقعة خلف قصر الخلد وهي تحريف لعبارة "كازا انشس" CASA I.N.C.I.S , وهي اختصار لـ "مساكن المعهد الوطني لإسكان موظفي الدولة" " L'Istituto Nazionale Casa Impiegati Dello Stato".

الأربعاء، 28 فبراير 2024

عمود رخامي في مصرف الجمهورية بطرابلس يشير إلى تاريخ بناء المصرف

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اليوم لفت انتباهي عمود رخامي في مصرف الجمهورية بطرابلس فرع ميدان الشهداء، والعمود موضوع في موضع النافذة الأولى المطلة على شارع عمر المختار، ولما اقتربت منه لاحظت وجود نقوش إيطالية منحوتة على العمود والقاعدة التي تحمل العمود، وللأسف بعض الكلمات طمستها عوامل الزمن ويصعب قراءتها، أما الكلمات المنقوشة على قاعدة العمود فلم أتمكن من قراءة شيء منها، ولكن هذا ما استطعت قراءته منها:
fondazione banco di roma 1880
tripoli 1907 ********
costruzione della nuova cedf 1934
XI****
وموضع (*) يمثل الكلمات التي لم أستطع قراءتها، أما ترجمة العبارات الإيطالية التي كتبتها فهو:
مؤسسة بنك روما 1880
***** طرابلس 1907
المبنى الجديد **** 1934
الحادي عشر *****
حيث يشير السطر الأول إلى تاريخ إنشاء بنك روما في سنة 1880، ويشير السطر الثاني إلى تاريخ افتتاح فرعه في طرابلس سنة 1907، أما السطر الأخير فيشير إلى تاريخ بناء المبنى الجديد لبنك روما سنة 1934 مطلاً على ميدان الشهداء بدل مبناه القديم في ميدان السيدة مريم بالمدينة القديمة.

ملاحظة غير مهمة: 😁
لولا وقوفي في طابور المصرف ما كنتش حننتبه للعمود يعني في النهاية طلعت الطوابير لها فائدة وما كنتش عارف 

 

السبت، 10 فبراير 2024

جامع النظامية الاسم القديم لجامع ادريس بالظهرة

 السلام عليكم.

منذ عدة سنوات كتبت بحثا عن تاريخ جامع إدريس بمنطقة الظهرة بطرابلس وقمت فيه بحمد الله وتوفيقه بتحديد بناء الجامع القديم بسنة 1327 هجري _ الموافق لسنة 1909 ميلادي _  استنادا على اللوحة الرخامية المكتوبة باللغة التركية بالأحرف العربية التي أزيلت من الجامع القديم قبل هدمه ووضعت بالجامع الجديد، وكان المسجد القديم يسمى بجامع القشلة وجامع البرهانية، ومنذ عدة أيام راسلت صفحة الدار السلطانية ومتصفح الوثائق العثمانية وهي صفحة متخصصة في الوثائق العثمانية لسؤالهم عن الترجمة الحرفية للوحة وتبين أن هناك اسما آخر غير معروف للجامع وهو جامع النظامية، وهذا شرح معنى الكتابة من الصفحة المذكورة جزاهم الله خيرا:

"جامع النظامية، تاريخ البناء 1327هجري".





السبت، 13 يناير 2024

جامع ادريس بمنطقة الظهرة

منذ عدة أسابيع قليلة مضت نشرت صورة لجامع قشلة الحميدية بالظهرة تعود إلى سنة 1943 وهو الجامع الذي هدم وبني في محله جامع ادريس سنة 1957 والذي يعرف كذلك بجامع الجهاد وقد علق أحد السادة الفضلاء - ولا أذكر اسمه وأتمنى أن يعلق هنا لأشكره- بأنه خلال تلك السنة أي 1943 كان يمر يومياً من أمامه والجامع ليس له وجود وقد تم هدمه قبل تلك السنة، وقال كذلك أن موضع الجامع الجديد كان فيه ملجأ إيطالي للحماية من غارات طائرات قوات الحلفاء.
وقبل عدة سنوات عثرت على بقايا المدخل القديم والأعمدة في ساحة سيارات غرفة التجارة الملاصقة للجامع الحالي أي خلف القبلة ، وقد بحثت في الأرشيف لدي فتأكدت حينها من صدق كلامه - جزاه الله خيرا - حيث عثرت على صورة جوية تعود إلى فترة الخمسينيات تظهر فيه المئذنة فقط وموضع الجامع ساحة فارغة وحينها قمت بمقارنة صورة للمئذنة تعود إلى سنة 1911 مع صورة سنة 1943 وصورة حديثة التقطتها لجامع ادريس وتبين أن الجامع قد تم هدمه وأبقيت المئذنة كما هي دون هدم وعندما تم بناء الجامع الجديد تم زيادة ارتفاع المئذنة بعد الشرفة الأولى واضيفت شرفة ثانية، وهذه صورة مدمجة قمت بإعدادها توضح هذا الأمر للمقارنة بين شكل المئذنة القديمة والحديثة كما اضفت الصورة الجوية التي تبين المئذنة وما حولها ساحة فارغة.
 

 








الخميس، 30 نوفمبر 2023

طابور الصباح في مدارسنا

 في الصباح الباكر ومع لسعات برد الخريف والشتاء اللاذعة يقف الأطفال في طوابير تشبه إلى حد كبير طوابير المساجين لإجبارهم على القيام بتمرينات هزيلة لم توضع من قبل متخصصين في البناء الجسدي ولم تفلح طيلة عقود في إعطاء الأجيال بنية رياضية سليمة، وحتى حصص الرياضة في أفضل حالاتها يتم فيها إطلاق سراح التلاميذ في الساحة ليجدوا (حكة بيبسي) تعيسة ليقوموا بترقيتها إلى مرتبة كرة قدم،  وعلى نغمة صيحات (بعض) معلمات الرياضة يتظاهر التلاميذ بأداء تلك التمرينات الغبية وأغلبهم مازال الكرى يداعب عينيه نصف المقفلتين، يتبع ذلك ما يشبه عملية غسيل لأمخاخهم الطرية الصغيرة بإجبارهم على تحية علم لا يعرفون حتى رمزيته ويرددون تعهدات بحماية البلد وحاكمهم المظفر الذي تسري في عروقه دماء زرقاء توارثها تالدا عن تالد وحين يشبون قليلا عن الطوق يصفعهم الواقع المر بأن أغلب جيلهم ذو بنية كأنها لم تمر عليها الرياضة قط ولو مرور الكرام، وبأن كثيرا ممن تعهدوا بالولاء للوطن في طابور الصباح صاروا لصوصه بامتياز بعدما أتوا على الأخضر واليابس فيه وحتى على الأزرق، وبأن من اجتهد في الدراسة لم يجد وظيفة تسد رمقه الا بشق الأنفس وبأن من كان خائبا وبليدا صار من كبار أصحاب الأعمال وبأن ذلك الحاكم الذي تعلموا في طابور الصباح أنه هو من يحميهم تبين لهم أنه من يستعبدهم ويحثهم على تحمل الظروف في حين يعيش هو وحاشيته عيشة الاكاسرة والقياصرة.

في امريكا وأغلب دول العالم المتقدم لا يوجد في مدارسهم شيء اسمه طابور الصباح ولا تمارين الصباح ولا تمجيد لحاكم، ولكن توجد حصص رياضة حقيقية يتخرج منها كبار الرياضيين على مستوى الدولة، والتلميذ يتعلم حب الوطن والولاء له من تلقاء نفسه عندما يرى اثر نعمة الوطن على حياته وأسلوب عيشة، وعندما يكبر يتعلم أن لا قدسية لحاكم يكيل له المدح والتطبيل صباحا مساءً.

لدى العرب وزارات تعليم وتربية لم تنل من اسمها الجميل شيئا، فلا هي علمت الاجيال تعليما صحيحا ولا هي أفلحت في تربيتهم، فخرجت أجيال لا تقيم للأخلاق وزنا، ولا لاحترام الكبير قدرا، وكأن لديها دافعا مازوكيا في قرارة نفسها يدفعها دفعا الى تدمير الذات.

هذا واقعنا البائس بكل أسف واعذروني على الإطالة.


الأربعاء، 30 أغسطس 2023

أصل كلمتي كويس وشوية

كثير من الكلمات الدارجة في اللهجات العربية الحديثة أصلها فصيح ولكن يظنها أغلب الناس كلمات عامية لا أصل لغوي لها ومن هذه الكلمات:

"كويس" وتقال بمعنى شيء جيد أو شخص جيد وأصلها من كلمة "كيس" بتشديد الياء بصيغة التصغير أو التحبب وكيس تعني فطن وحسن التفكير وتم تصغيرها لتصبح كُويس أو كّييس.

"شوي" أو "شوية" وأصلهما كلمة "شيء" وتم تصغيرها لتصبح شويء وأهملت الهمزة للتخفيف.

الأحد، 30 يوليو 2023

عروة بن محمد والي اليمن

دخل عُروة بن محمَّد اليمن واليًا عليها ، فقال:

" يَا أهلَّ اليَمَن ، هذهِ رَاحِلتي ، وَفيها مُصحفٌ وَسَيف ، فإن خَرجتُ بأكثرِ مِنهَا فأنا سَارِق ".

وظل عروة بن محمد واليًا على اليمن 20 عاماً، وحين خرج منها، خرج بما دخل به، راحلته وسيفه ومصحفه !

الثلاثاء، 24 يناير 2023

كثرة الحلف

 ليبي تلاقى مع صاحبه:
_ اهلا يا احميدة، تي بالله كيف حالك؟
(لازم من الحلف باش يضمن إجابة صادقة ويطمن على حاله)
_ والله الحمد لله يا عليوة، وانت بالله كيف حالك؟
(احميدة حتى هو لازم يحلف انه كويس علشان عليوة يصدق ان حاله باهي، ويزيد معاها أنه يحلف له انه حتى هو يخبره بحاله بكل صدق)
_ بالله عليك شن صار في التفتوفة الي متسلفها مني؟
(لازم من حلفة للاطمئنان عن مصير التفتوفة)
_ والله شن بنقولك توة، غير تنزل السيولة وحاضر.
(حلفة مضادة لتطمينه ان تفتوفته في الحفظ والصون)
_ منور  يا احميدة والله، هيا منعطلكش غير بالله معاد تغيب يا راجل.
(الحلفة الأولى لتأكيد الود والثانية لتأكيد التأكيد الأول)
يمشي عليوة ويخش لدكان الخضرة....
_ بالله اوزنلنا كيلو طماطم وكيلو فلفل غير نبيه حار يمحمط.
(حلفة لتنبيه البياع انه ينتبه للوزن وما يفكرش يغشه ويوازيله فلفل محماطي)
_ والله فلفل نار متاع شرمولة حقانية وكيف واصل.
(حلفة لتأكيد أن الفلفل محماطي يمشي حتى مع المبكبكة.
_ ترة شدلي البورزة بالله عليك نحطلك خضيرتك.
(حلفة مالقيتلهاش سبب الحق )
_ كم حسابك بالله؟
(حلفة لازم منها لضمان الحصول على السعر الحقيقي)
_ عشرة ونص والله لكن هات عشرة وخلاص.
(حلفة مضادة لإشعار عليوة بتأنيب الضمير على حلفته السابقة)
_ يا ودي والله الا زعيم ربي يحفظك.
(حلفة مضادة لتأكيد حسن النية ووجود الثقة)
يطلع عليوة من الدكان ويكمل باقي يومه هو وباقي الناس في الحلف بسبب وبلا سبب في كل جملة، ولو كان سبب كثرة الحلف في مجتمعنا هو قلة الصدق فهي مصيبة، وإن كان السبب هو هوان اسم الله عز وجل على الناس فالمصيبة أكبر.

قال المولى جل وعلا:
  (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ... ) [البقرة: 224]
ويقول: (واحفظوا أيمانكم) [المائدة: 89]
ووصف الله عز وجل كثرة الحلف من ضمن عدة أوصاف مذمومة حيث قال تعالى في سورة القلم: (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم)

الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

طابور الصباح في مدارسنا

 في الصباح الباكر ومع لسعات برد الخريف والشتاء اللاذعة يقف الأطفال في طوابير تشبه إلى حد كبير طوابير المساجين لإجبارهم على القيام بتمرينات هزيلة لم توضع من قبل متخصصين في البناء الجسدي ولم تفلح طيلة عقود في إعطاء الأجيال بنية رياضية سليمة، وحتى حصص الرياضة في أفضل حالاتها يتم فيها إطلاق سراح التلاميذ في الساحة ليجدوا (حكة بيبسي) تعيسة ليقوموا بترقيتها إلى مرتبة كرة قدم،  وعلى نغمة صيحات (بعض) معلمات الرياضة يتظاهر التلاميذ بأداء تلك التمرينات الغبية وأغلبهم مازال الكرى يداعب عينيه نصف المقفلتين، يتبع ذلك ما يشبه عملية غسيل لأمخاخهم الطرية الصغيرة بإجبارهم على تحية علم لا يعرفون حتى رمزيته ويرددون تعهدات بحماية البلد وحاكمهم المظفر الذي تسري في عروقه دماء زرقاء توارثها تالدا عن تالد وحين يشبون قليلا عن الطوق يصفعهم الواقع المر بأن أغلب جيلهم ذو بنية كأنها لم تمر عليها الرياضة قط ولو مرور الكرام، وبأن كثيرا ممن تعهدوا بالولاء للوطن في طابور الصباح صاروا لصوصه بامتياز بعدما أتوا على الأخضر واليابس فيه وحتى على الأزرق، وبأن من اجتهد في الدراسة لم يجد وظيفة تسد رمقه الا بشق الأنفس وبأن من كان خائبا وبليدا صار من كبار أصحاب الأعمال وبأن ذلك الحاكم الذي تعلموا في طابور الصباح أنه هو من يحميهم تبين لهم أنه من يستعبدهم ويحثهم على تحمل الظروف في حين يعيش هو وحاشيته عيشة الاكاسرة والقياصرة.

في امريكا وأغلب دول العالم المتقدم لا يوجد في مدارسهم شيء اسمه طابور الصباح ولا تمارين الصباح ولا تمجيد لحاكم، ولكن توجد حصص رياضة حقيقية يتخرج منها كبار الرياضيين على مستوى الدولة، والتلميذ يتعلم حب الوطن والولاء له من تلقاء نفسه عندما يرى اثر نعمة الوطن على حياته وأسلوب عيشة، وعندما يكبر يتعلم أن لا قدسية لحاكم يكيل له المدح والتطبيل صباحا مساءً.

لدى العرب وزارات تعليم وتربية لم تنل من اسمها الجميل شيئا، فلا هي علمت الاجيال تعليما صحيحا ولا هي أفلحت في تربيتهم، فخرجت أجيال لا تقيم للأخلاق وزنا، ولا لاحترام الكبير قدرا، وكأن لديها دافعا مازوكيا في قرارة نفسها يدفعها دفعا الى تدمير الذات.

هذا واقعنا البائس بكل أسف واعذروني على الإطالة.

السبت، 10 سبتمبر 2022

حكايات مشاهير من طرابلس القديمة في السبعينيات والثمانينيات

 هناك من الأشخاص من يحفرون اسماءهم عميقا في ذاكرة الناس، لا لأعمال عظيمة ارتبطت بهم، ولكن لمجرد حياة بسيطة عاشوها ورسموا البهجة على وجوه الناس دون قصد، ومن هؤلاء الناس اشتهر في طرابلس اشخاص نذكر منهم ....
نبتديء حديثنا بعلي الزاوي ( المريمي ) الذي اشتهر باسم روما وكان رجلا بسيطا يعيش في منزل صغير بالظهرة خلف روضة الزهور ويطل على شارع البلدية ولم يمتلك من حطام الدنيا الا بيته المتواضع وكلابا تعيش معه فيه يطعمها مما يأكل ولا يبخل عليها بشيء على فقره وسوء حاله , وكان روما يتجول في شوراع طرابلس في الامسيات بعضلاته المفتولة وقميصه غير المزرر غالبا ومن حين الى اخر يطلق صيحة مدوية اشتهر بها كانت كافية لتبث الرعب في اوصال البنات العابرات مع علمهن بأنه شخص ودود غير مؤذ وكنا نضحك لردة فعلهن ونناديه (ايوا روما) فيرد علينا بصيحة تفوق سابقتها في القوة .
بعد وفاته كنا نرى كلابه وهي تجوب الشارع وتنام امام بيته كأنها تنتظر عودته ليطعمها كما كان يفعل من قبل ... ولكن هيهات فقد ذهب روما وذهبت معه نفحة من حكايا طرابلس القديمة .... رحمك الله يا روما وغفر لك

إذا ذكرنا شخصيات طرابلس الطريفة فلا بد ان نذكر ( رز ) وهو رجل ضئيل الجسم ولا
نعرف عنه الا ان اسمه محمود ولا يعرف احد من اين ظهر واين يسكن ولكن كل ما كنا نعرفه ان رز كان رجلا في الستينيات من عمره تقريبا ضئيل الجسم نحيفا بشكل غير عادي ويسير في شوارع طرابلس بخطوات سريعة ولا يتعب من كثرة المشي السريع الذي يضاهي ابطال ألعاب القوى في سرعته وكان دائم الغضب والحنق بلا سبب نعرفه يسير وهو يشتم ويلعن اشخاصا غير مرئيين وأحيانا يتوقف وهو ينظر الى الفراغ ويتخاصم ويتجادل مع اللاشيء وكان الاطفال يلاحقونه وينادونه من بعيد قائلين ( رووووز ) فيترك خصامه مع الشخص اللامرئي وينقله الى اولئك الاطفال المشاكسين وهو يلاحقهم بخطواته السريعة ويلعنهم ولا يحول شيء بينه وبين الفتك بهم الا تفوقهم عليه في الجري , واستمر ظهور ( رز ) قرابة عشرة سنين ليختفي بعدها فجأة كما ظهر فجأة ولم نسمع عنه خبرا الى هذا الحين .... رحم الله هذا الرجل المسكين وغفر له ..

من شخصيات طرابلس الشهيرة ( عرادة ) وهو ايضا كان رجلا مسنا ويحمل على كتفه مسجل كاسيت ضخما ويلصقه على أذنه ويستمع الى محطات الراديو واحيانا كان يلصقه بأذنه والجهاز مطفأ ً ويستمع الى اللاشيء ويتجول في شوارع طرابلس بلا كلل او ملل وكنا احيانا نراه في الصباح في سوق الجمعة وفي المساء نجده يتجول في الظهرة او في شارع ميزران ونحار في عدم شعوره بالتعب .

من الشخصيات الغامضة الاخرى رجل اسمر البشرة في الخمسينيات من عمره تقريبا كان طويلا مفتول العضلات كأنه مصارع وكان يظهر غالبا في منطقة الظهرة ولا نعرف له سكنا وكان دائم الغضب ويشتم بصوت جهوري مرعب كل من يلقي به حظه العاثر في طريقه وكان احيانا يحمل هراوة ضخمة في يده يهدد بها المارة ولكن لم يدم ظهور هذا الرجل طويلا فبعد حوالي عامين اختفى دون ان يعرف احد عنه شيئا ....

احد شخصيات طرابلس كان رجلا مسنا وكان يتجول في الشوارع يطلب الاحسان من المارة ويتبعه عدد كبير من القطط وكان حينما يحصل على احسان كاف ٍ من العابرين يشتري خبزا وعلبة تن ويفترش الارض على الرصيف ياكل ويطعم معه تلك القطط التي وجدت فيه قلبا رحيما افتقده كثير من البشر ....

اخر تلك الشخصيات التي اذكرها رجل شهير باسم ( كررررش ) ولم يعرف احد اسمه او اين يسكن و لكنه كان غالبا يتجول في الظهرة وفشلوم والدهماني كانت له هواية وحيدة وهي انه في اوقات خروج الاطفال من مدارسهم كان يفاجئهم بان يمسك من يجده غافلا غير منتبه من أذنه و يصيح فيها قائلا ( كرررش ) فيفر الاطفال من أمامه مذعورين وهم يتضاحكون وهم ينادونه عمي كررررررش .

سقى الله تلك الايام البسيطة حينما كانت الدنيا لا تزال بخير والقلوب صافية ورحم الله اولئك المساكين الذين رسموا البهجة على وجه كل من عرفهم من أهالي طرابلس .

 

ذكريات جميلة من منطقة الظهرة

 

صورة من منطقة الظهرة سنة 1978 مع صورة حديثة التقطتها لنفس الموضع منذ اربع سنوات حيث هدمت تلك الدكاكين وبني في موضعها مصرف الجمهورية والعمارة المجاورة له ..
دكاكين صغيرة متواضعة لكن قلوب أصحابها كانت كبيرة .... دكان عمي عبدالله وهو اول دكان يظهر عن يمين الصورة وأمامه صناديق الخضرة التي كان يبيعها في دكانه الصغير مع المواد الغذائية الأخرى ومع مرور الوقت وموت ضمير التجار اصبح حجم صناديق الخضرة يتضاءل ويتضاءل حتى صارت في نصف حجم الصناديق القديمة ...
قبل دكان عمي عبدالله أذكر دكان عمي الساكت وعمي ابراهيم رحمهم الله أجمعين حيث كنا نشتري منهم ( النبايل ) وتختار رقم وتكون ( الأمبولة ) التي ستحصل عليها حسب حظك .
ثم بعد الزقاق الضيق تبدأ مجموعة الدكاكين الأخرى والتي كان أشهر أصحابها عمي مسعود رحمه الله الذي كان يشتهر بعكازه الخشبي وجلسته أمام دكانه ...
ثم تحت العمارة كانت توجد دكاكين الطاباق و العريفي ويقابلهم في موضع شركة إيني ساحة كبيرة كنا نلعب فيها الكرة صغارا ....
ثم كان يليهم حيث موضع موقف السيارات أمام مسرح الظهرة كانت توجد صفة دكاكين كانت تشتهر ببيع البطش والحارة بقرش وأمامهم كوشة البي كما كانت توجد كوشة أخرى في زنقة شركة إيني كنا نسميها كوشة الدروج .
تلك هي الظهرة العريقة .... ذكريات وأيام جميلة ذهبت ولن تعود
سقى الله تلك الأيام الجميلة ورحم الله أولئك الناس الطيبين


 

جامع الجداع وذكريات منطقة الظهرة العريقة

 

جامع الجداع وذكريات منطقة الظهرة العريقة....
المدرسة القرآنية التي كانت أمام الجامع ملاصقة للمستوصف حاليا، وكوشة الدروج في الزنقة المقابلة للجامع، وصفة دكاكين البطش والزرابيط والخردوات في موضع موقف السيارات حاليا أمام كوشة البي، مكتبة النصر في الإشارة الضوئية وعمارتها التي أزيلت، دكان عمي الساكت وعمي عبدالله وعمي مسعود وعمي الطاباق وعمي العريفي، وسعاية المشيرقي أمام جامع خليل باشا التي لطالما شهدت مباريات الكرة أيام الزمن الجميل، زناقي الظهرة البسيطة وأطفال يتسلون بلعبة (السبعة رشادات) التي كانت في نظرنا قمة ما توصلت إليه أفكارنا من وسائل التسلية، سوق أقواس الظهرة الذي كانت كل دكاكينه مخصصة للخضروات قبل أن يتم تحويرها وتغيير صبغتها البسيطة الجميلة، كبار السن الودودين الذين كانوا يعرفون كل عائلات المنطقة ولهم احترام كبير حتى من (مردف) المنطقة أيام كان (الرديف) يتحلى بشيء من المروءة، (عزايزنا) بفراشياتهن الناصعة وحيائهن الذي لم يفارق محياهن حتى عندما بلغن من الكبر عتيا، بنات في سن الصبا أغلبهن تستحي من الخروج لوحدها فتاخذ بيد أخيها الصغير ليرافقها في الخروج للسوق أو لزيارة جارتها.
أيام بسيطة وجميلة ذهبت وبقيت تثير ذكرياتها الشجن....
سقى الله تلك الأيام ورحم كل من عرفناهم وفارقونا إلى جوار الله.
 


 

الأحد، 14 أغسطس 2022

ترجمة الفصل الثاني من كتاب طرابلس الجديدة وما شاهدته في الدواخل، لمؤلفته ايثيل براون

 السلام عليكم

متابعة لترجمتي التي قدمتها سابقاً، أقدم إليكم ترجمة الفصل الثاني الذي يحمل عنوان (عبر الأسواق)، من كتاب طرابلس الجديدة وما شاهدته في الدواخل، لمؤلفته ايثيل براون (Ethel Braun)، الذي نُشر سنة 1914، ويحكي عن تفاصيل رحلتها إلى طرابلس الغرب سنة 1912م، ومن الجدير بالذكر أن الصورة المرفقة هنا منقولة من الفصل الثاني نفسه الذي قمت برجمته.
هذه الترجمة جهد خالص لي اعتماداً على نسخة الكتاب الأصلية الإنجليزية، وقد كتبت شرح بعض العبارات الواردة فيه بين علامة القوسين (...)، ويبقى أن أقول أن حق النقل مباح لكل من يود بشرط ذكر المصدر عند النقل.
مع تحيات المترجم/ م. عبدالباسط بلقاسم الغماري
الفصل الثاني - عبر الأسواق
جولة عبر الأسواق - سوق الترك - سوق الحرير - سوق الربع - صائغو الفضة - حرفيّو الجلود - غروب الشمس من قبة المسجد الكبير
أسواق طرابلس ليست كثيرة ولا مثيرة للاهتمام مثل أسواق تونس، لكن لها طابعها الخاص، ومنذ الاحتلال الإيطاليّ تغير هذا الطابع هنا وهناك، ومثلما ذكرت من قبل، تم إزالة جزء كبير من السوق والذي كان في السابق أنشط الأسواق كلها، سوق الثلاثاء الآن شارع عصريّ فيه فنادقٌ ومقاهٍ ومحلاتٌ تجارية، وفي وضعه الحالي لا يعدو تشويقه نصف ما كان عليه في الأيام السالفة بحشود البائعين النشطين من عرب وبربر ويونانيين ويهود وإيطاليين ومالطيين، حيث كان الأهالي يشترون مؤونتهم الأسبوعية كل يوم ثلاثاء، والآن هناك سوق يحل محله كل يوم جمعة في منطقة سوق الجمعة التي تبعد مسافة ساعة تقريباً بالسيارة من المدينة على طريق تاجوراء.
سوق الترك عبارة عن شارع طويل ومستقيم وضيق مغطى بنوع من التعريشات، والضوء يتسلل من خلال أوراق التعريشات بحيث يخفف حرارة الشمس بشكل لطيف، حيث تتشكل مجموعات بشرية مبهرجة نشطة جداً تتحرك جيئة وذهاباً بلا توقف.
كان السوق عامراً بالدكاكين التي يديروها الشرقيون، والآن التجار هم من الإيطاليين واليونانيين والأسبان، وهنا بوسعك إلى حدٍّ ما أن تبتاع كل ما ترغب به، وكلّ شيء عصريّ إلى حدٍّ ما، في منتصف الطريق يوجد المسرح الإيطالي الجديد الذي يتسع لقرابة ألف شخص ويتم إيلاؤه عناية كبيرة، وقد كان في السابق مقهىً تركياً موسيقياً، فيه راقصون وعازفون عرب، وهكذا بمرور الوقت تم تطويره.
لكن يوجد كذلك في سوق الترك مسجدٌ جميلٌ يبدو وقد حافظ على طابعه الشرقيّ وسط كل هذه الحداثة أمام بابه، وهو باب متقن الصنع للغاية بنقوشه الكثيرة والزخارف أو الخشب الملون وبدعامات رخامية، ويفتح على فناء ذي أٌقواس وسط الحشود التي تتحرك بنشاط.
عن يسار السوق مررنا عبر عدة شوارع صغيرة تؤدي إلى خارج الأسوار.
ثم نأتي إلى سوق الحرير، وهو شارع نسّاجي الحرير الذين يحتلّونه بأكمله، ومن المشوق زيارته من باب إلى باب، وأول من استقبلنا رجلٌ عجوزٌ دعانا بوجه بشوش للدخول، وكان هو ورجل أصغر سناً، مشغولين بالعمل على نسيج من الروعة والدقة والجمال، وكان الأساس من قماش فضيّ، حيث سيقومان بحياكته مع حرير ذهبيّ اللون، وعند الانتهاء منه سيكون ثوباً داخلياً رائعاً لربة بيت عربية ثرية، وثمنه ما بين 10 و12 ليرة.
في المتجر التالي، الحائك بمعطفه القرمزيّ الفاتن وطربوشه الأحمر، وآخر من الذهب الخالص الذي يبهر الأعين بالفعل، وأشعة الشمس تلمع تماماً فوقه، هنا يمكنك شراء حريرٍ خالصٍ يُباع بالوزن بدل الطول ولا يبلى.
في نهاية سوق الترك يوجد ما كان يُعرف عند الأتراك باسم سوق الجمل، وقد أعاد الإيطاليون تسميته بسوق الربع، في الحقيقة هذا سوق قديمٌ جداً مغطّى، وفعلياً هو الوحيد المماثل لأسواق تونس.
على كل جانب توجد الأكشاك الصغيرة نفسها، حيث التجار (كلهم عرب هنا) يجلسون أو يستلقون ويدخّنون ويحتسون القهوة ويتجاذبون أطراف الحديث، ومن المفترض أنهم يبيعون شيئاً أحياناً، برغم أنه على ما يبدو أنّ هذا آخر ما يثير اهتمامهم، وبالتأكيد سيكون من دواعي السرور في طرابلس أن تتمكّن من التجوّل هنا وهناك دون مضايقتك لتشتري مثل أيّ مكان آخر في الشرق.
يوجد هنا سجّاد وفرش وستائر وأغطية الأسِرّة وحصائر وأشياء من كل الأصناف، والسقف المقوّس عالٍ جداً وبه فتحات صغيرة بالأعلى، تلقي الشمس عبرها بقعاً من الضوء في أماكن غير مُتوقّعة، كل شيء هادئ ووقور، الأكثر انتعاشاً وتميّزاً.




بعد خروجنا من سوق الترك يساراً بنهاية سوق المشير انعطفنا يميناً، نفحة من رائحة نفّاذة ترحّب بنا، ريحٌ ناعمةٌ ودافئةٌ تهبّ مباشرةً من سوق العطّارة، حيث توجد كل أنواع العطور الشرقيّة والأدوية، على مسافة أبعد قليل يوجد سوق الصياغة، شارع صائغي الفضّة وجميعهم يهودٌ، حرفيّون مهرة، يعملون بأدقّ الفنون وأكثرها تعقيداً في الذهب والفضة، وهنا توجد الزخارف الرائعة والغريبة التي تروق بقوّة للذوق الشرقيّ.
أساور ثقيلة، وأقراط وخواتم فضية وذهبية وسطها منحوت ومربّع، وتمائم فضيّة على شكل أهلّةٍ ونجومٍ، بها ثقب صغير لتعليقها في صدر ثياب النساء، وتوقفنا وخضنا جدالاً مثيرا للاهتمام مع أحد التجّار حول قيمة اثنتين من هذه الحُليّ، فكرته وفكرتي حول الموضوع تطلبتا بعض الوقت لتتفقا، ولكن في النهاية تمّت الصفقة، وغني عن القول أنها تمت بنصف السعر الذي طلبه أولاً، مجموعة من العرب المتحمسون مثلنا انضموا إلى العملية وقد أخذوا جانب المتفرّجين وأنهيت الأمر بتصوير الكثير.
بعد ذلك تجولنا في سوق الحلقة حيث يبيعون الصوف في كل مراحل وجوده.
تأتي النساء العربيّات إلى هنا في الصباح الباكر لشراء الصوف الذي يصنعن منه الباركان (الفرّاشية)، إنه سوقٌ فاتن بتعريشته في منتصف الطريق بنهاية الشارع المغطاة بنباتات خضراء متسلّقة، وهنا وهناك يرى المرء فناءً مكشوفاً مليئاً بلفّات من الصوف المعلّقة لتجفيفها، وعلى اليمين مررنا بمُرابط وجدرانه البيضاء الناصعة تسطع في الشمس المتّقدة.
على مسافةٍ أبعد قليلاً نحو اليسار، يقودنا الطريق إلى سوق الخبزة، ونعبره مباشرةً إلى شارع ريكاردو حيث توجد دكاكين حرفيّي الصناعات الجلديّة، ويوجد صفٌّ قصير منها على طول الممرّ المقنطر ذي الأعمدة، الأحذية الصفراء الزاهية مثل التي في تونس غائبة بوضوح، لقد رأيت فقط بضعة أحذية والأحذية ذات اللون الأغمق والمطرزة بألوان مختلفة، وكانت هناك أزواج من الأحذية النسائية الصغيرة الجميلة، قرمزية وأرجوانية وزرقاء مطرّزة بالفضة، وكذلك بضع حقائب سوداء وقرمزية، ولكن معظم المتاجر مخصصة للسروج العربية من كل شكل فاقع ليضعوها على خيولهم، والأحمر هو اللون السائد مما يجعل منظر دكاكينهم من الداخل مبهجة للغاية، وقد عرضوا علينا سرجاً أسود جميلاً مطرّزاً بالفضة، وكله مصنوعٌ يدويّاً بالطبع، وحذاءً جلديّاً قرمزياً مرتفعاً مخصصاً للنساء ويشبه نوعاً ما حذاء الفرسان، وكان مصنوعاً من جلدٍ مرنٍ ومطرّزاً بشكل رائع أخذ بلبّي.
عدنا مرة أخرى إلى السوق الكبير ببداية شارع ميزران، ووجدنا مقرّ المدفعية يمين المستشفى المدنيّ، ثم انعطفنا يميناً نحو زنقة سوق الحطب، ووصلنا إلى مساحة مفتوحة من الأخشاب والأعشاب، وهنا رأينا أعلاف الإبل والحمير والبغال وغيرها من حيوانات المدينة محمولةً على ظهور الحيوانات التي ذكرتُها، وصادف أننا وصلنا في وقت الازدحام حينما وصلَت للتوّ ويجري تفريغها، والأمطار الغزيرة التي هطلت منذ يومٍ أو يومين خلّفت بركةً كبيرةً في وسط السوق، وكانت تعكس تأثيراً رائعاً من الخطوط الطويلة للجدران الوردية وأشجار النخيل الوارفة والصورة الظلّية المتحركة للعرب المرتدين البياض والإبل المحمّلة.
مع تأخّر الوقت عدنا إلى المدينة، إلى مدخل مسجد القره مانلي الكبير، وعرب يبيعون القبّعات البيضاء يجلسون تحت الرواق، وكان هناك صديق ينتظرنا ومعه تصريح من القاضي، يسمح لنا بالحصول على منظر نرغب فيه لطرابلس من الشرفة المحيطة بالمئذنة، وقد غابت الشمس عند خروجنا بعدما تسلّقنا السلّم المتعرّج، وغربت بوهج متألّق مضفيةً لمسةً سحريّةً على المدينة المتّشحة بالبياض بالأسفل.
هناك، بين اللون الياقوتيّ الغامق للبحر الأبيض المتوسط من جانب، وغروب الشمس القرمزيّ والذهبيّ من جانب آخر، تقع طرابلس، مآذن بيضاء ومرابطون وأبراج، والأسطح تلامس الحياة الدافئة للضوء المغادر.
بينما كنا مندهشين وعاجزين عن الكلام، واقفين نحتسي شراباً في هذه البانوراما الرائعة، أتتنا صرخة طويلة متهدّجة من الشرفة القريبة من جانبنا، إنه المؤذّن ينادي لصلاة العشاء، وهو شيء مألوف لكل من يعرف الشرق، ولكن، ما أروع هذا التأثير، هنا في النقطة الأقرب منه وهو ينادي عبر الفضاء، ويأتي نداءٌ من مسجد مجاور، ومرة أخرى أبعد قليلاً هذه المرة، الله... الله، محمد رسول الله.
وبنظرة أخيرة ننزل من الدرج المتعرّج عائدين من مدينة الأحلام إلى الحياة المزدحمة بالأسفل.

الثلاثاء، 27 يوليو 2021

ترجمة الفصل الأول من كتاب طرابلس الجديدة وما شاهدته في الدواخل للبريطانية ايثيل براون

السلام عليكم

هذه ترجمة لمقدمة المؤلفة والفصل الأول الذي يحمل عنوان (الإنطباعات الأولى)، من كتاب طرابلس الجديدة وما شاهدته في الدواخل، لمؤلفته ايثيل براون (Ethel Braun)، الذي نُشر سنة 1914، ويحكي عن تفاصيل رحلتها إلى طرابلس الغرب سنة 1912م.

هذه الترجمة جهد خالص لنا اعتماداً على نسخة الكتاب الأصلية الإنجليزية، وقد كتبنا شرح بعض العبارات الواردة فيه بين علامة القوسين (...)، كما أرفقنا الصور المنشورة في الكتاب مع هذا الفصل، ويبقى أن أقول أن حق النقل مباح لكل من يود بشرط ذكر المصدر عند النقل.

مع تحيات المترجم/ م. عبدالباسط بلقاسم الغماري

وأترككم الآن مع الفصل الأول من الكتاب.



طرابلس الجديدة وما شاهدته في الدواخل

تأليف/ ايثيل براون

ترجمة/ م. عبدالباسط ابوالقاسم الغماري

 

نُشِر لأول مرة في سنة 1914

 

 

مقدمة المؤلفة

 

أثناء كتابتي هذا الكتاب عن طرابلس تلقيت مساعدة بكياسة ولطف عظيمين رأيتهما هناك، وهنا أنتهز الفرصة لأعبّر عن امتناني لكل من ساعدني بطريقة أو بأخرى في عملي.

إلى سعادة حاكم إقليم طرابلس الجنرال غاريوني لجعله الطريق سالكاً أمامي، (الجنرال فينتشينزو غاريوني تولى منصب حاكم إقليم طرابلس من يونيو 1913 إلى نهاية 1914)، وإلى سكرتيره الخاص كاف استوتو دي لوتشيزي، وإلى رؤساء دائرة الأشغال العامة والبلدية، وإلى السيدة زوليا، المرأة الإنجليزية التي عاشت في طرابلس لأحد وعشرين عاماً، لهم أدين بالإمتنان العميق على المساعدة القيمة.

كما أودّ أن أغتنم هذه الفرصة لأشكر النقيب فاسولو المقيم في المنشيّة، والملازم سيتاريلا المقيم في جنزور، والنقيب جينتيلوتشي المقيم في العزيزية، لهم جميعاً أدين بالإمتنان على الصور العديدة الرائعة التي نسختها في هذا الكتاب.

انا ممتنة كثيراً للمقيمين في غريان ويفرن، النقيب كونت تيستي راسبوني، والنقيب فاليسي، وللبروفيسور اوريغيما رئيس قسم الآثار، والبروفيسور اونوراتو مدير المستشفى.

العديد من صور طرابلس التقطتها سيلا ميلياني.

 

 

                                                           ايثيل براون

                                                           9 يناير 1914

 

 

 

الفصل الأول

الإنطباعات الأولى

 

على متن سفينة "ذي ميمفي" - الإنطباعات الأولى - السوق

القنصلية البريطانية - زيارة لبيت عربيّ - شارع العزيزية.

 

سماءٌ صافية - بحيرةُ المتوسّط الزرقاء.

على رغم أنّه شهر أكتوبر، إلّا أنّ الشمس كانت حارقةً كأنّه شهر أغسطس، وعند الساعة الثانية مساءً ألقينا نظرتنا الأولى على إقليم طرابلس من على متن "ذي ميمفي"، ولكن هذه ليست طرابلس بعد، سلسلة الجبال الطويلة، التي تبدو باهتةً جداً في الضباب البعيد هي الخُمس، وبعد ساعة لاح لنا ساحل طرابلس.

بمجرد توجه "ذي ميمفي" صوب المرفأ واقتراب قارب المرشد، حصلنا على رؤية كاملة لطرابلس، قوة بهيجة وظلال فاتنة يقابلها النّور السّاطع والحرارة، هناك في المنتصف تظهر جوانب قصر الوالي الحادة، المنزل العتيق لحاكم طرابلس، على يمين القلعة بجدرانها الضاربة إلى الحمرة، هنا وهناك مآذن جميلة أو قباب مستديرة تناطح سقف السماء، خلف الأفق ثمّة أشجار نخيل تنتصب بشكل ضبابيّ، كل هذه الأشياء تمتزج لتشكل لوحةً من الجمال والتشويق النادرين، بعيداً إلى اليسار خارج المدينة القديمة مجموعات صغيرة من المنازل الحديثة البيضاء تخلب الأنظار، أولى مشاهد الحضارة الحديثة التي تخالط الحياة القديمة.

ولكن ها قد وصلنا بالفعل وألقت "ذي ميمفي" بكل الإثارة والضجيج على كاهلنا، الحرارة مستعرّة، هذا غير طبيعيّ في مثل هذا الوقت من العام، ويبدو كأنّما مرّ وقتٌ طويلٌ قبل أن نستقرّ نحن وصناديقنا الكثيرة في القارب الصغير المتأرجح صعوداً وهبوطاً بشكل مزعج.

ملاحا القارب العربيان كان لديهما الكثير مما يرويه أحدهما للآخر ولكل من هبّ ودبّ ممن ينصتون، ولكن وأخيراً انتهينا من مرحلة النزول.

المرفأ ليس عميقاً بما يكفي لدخول أية سفينة كبيرة، ولكن عمّا قريب سيتم الشروع في التوسعة.

فور وصولنا سألَنا الجمارك عمّا نحمل، ولكن ليس لدينا ما نفصح عنه فعبَرنا دون صعوبة، قادنا مضيفنا المستقبليّ الذي أتى للقائنا، وبدأنا بالتوجه صوب الفندق الذي سيكون منزلنا للشهرين أو الثلاثة القادمة.



يا له من ضجيج مختلط، يا له من حشد، على الأقدام، على الحمير، في العربات، أوروبيون وعرب يرتطم أحدهم بالآخر، بغالٌ محملةٌ بالبضائع، عرب يحملون الأكياس، حميرٌ في كل مكان، والصيحة المألوفة "بالك، بالك" في كل مكان وهي الطريقة المهذبة في الشرق لإخبار شخص أن يفسح لك الطريق.

(كلمة بالك هي اختصار لعبارة خذ بالك أي انتبه، ومازالت كلمة بالك تستعمل في غرب ليبيا بنفس المعنى وأحياناً تستعمل للزجر).

التعبير الأكثر قسوة "برّا برّا" يسمعه المرء في طرابلس بشكل أقلّ من أيّ مكان آخر على الأقل وهذا ما صدمنا على الفور.

(كلمة برّا في غرب ليبيا تستعمل بمعنى تحرك أو اذهب).

ولكن ها نحن نسلك طريقنا عبر المتاهة على الأقدام، نظراً إلى أنّ المسافة قصيرة ولا تستحقّ ركوب عربة، وفي الطريق مررنا بقوس ماركس اوريليوس الرومانيّ القديم الجميل، الذي يقوم الإيطاليون بترميمه بعد طرد التجار العرب الذين استقرّوا فيه واتّخذوه مقهىً عربيّاً، السطح المقبّب مدعوم بأربعة أعمدة مقوّسة تشكل مربعاً، في حين أنّ بقايا النقوش الرائعة يمكن رؤيتها في كل عمود، وتحت الزخارف الكورنثية يوجد شعار النصر المجنّح من ضمن أشياء أخرى تم الحفاظ عليها بشكل جيد، والأساسات القديمة تظهر على بعد حوالي عشر أقدام تحت مستوى الشارع.

أخذنا منعطفاً حادّاً إلى اليسار، ويا له من شارع مليء بالحياة، ضيّقٌ وبه أقواس، الجدران والأقواس تملؤها حمرة الورد القويّة، وتتحول في منتصف الطريق إلى اللون السماويّ الباهت، وتصطفّ على طوله دكاكين الفاكهة، فاكهة من كل الألوان، برتقاليّة وقرمزيّة وخضراء، وبائعو الفواكه بملابسهم التي تتباين ألوانها مثلما تتباين محتويات أكشاكهم، وبسبب قوة الألوان وحيوية الحركة، تصدم طرابلس الوافد الجديد كما هو المعتاد من هذه السمات في الشرق، نشاط شديد بالفعل.

بعد مائة ياردة أو ما يقاربها وصلنا إلى المنزل، وبسعادة اكتشفت أنه من نافذة غرفة نومي أرى الأقواس بالخارج والجدران بنفس عمق حُمرة الورد التي شاهدتها وأنا قادمة من المرفأ.

نلنا قسطاً من الراحة وبعض العشاء، ثم أخذنا إحدى عربات التأجير في الساحة القريبة وانطلقنا نحو السوق، هناك وعلى رغم حلول المساء الآن، فكل شيء مازال في حالة حركة وحيوية، أولاً سوق الخبزة، صفوف طويلة من الأكشاك المليئة بالخبز الدائريّ والمسطّح، حشود من العرب، وهنا في طرابلس يعتمرون قبعات بيضاء بدلاً عن الطرابيش الحمراء المعروفة، والنساء ملتحفات بأرديتهنّ البيضاء التي تُسمّى هنا بالباركانا، والوجه بأكمله مخفيٌّ باستثناء عين واحدة غامضة ومعبّرة، (هذه الطريقة في لبس الفراشية تسمى في ليبيا بمبوك)، والنساء البدويّات كذلك بلُحُفهنّ الحمراء الخلابة يتنقلن بلا توقّف جيئة وذهاباً من أكشاك الخبز إلى تجار الخضروات ويشترين وجبة المساء، وبعد ذلك مررنا بالمقاهي العربية، وسكون المجموعات الجالسة بالخارج يتناقض بشدة مع الحشود المتلاطمة بالأرجاء، وكان الصوت الصادر من أحدها بمثابة نغمة نشاز لولا حقيقة أنه إيقاع طويل لأغنية عربية.


 






هنا حظيرة الإبل المجتمعة في مجموعات مع سائسيها، هنا وهناك وميض نيران مشتعلة طول الليل في العراء.

فوق رؤوسنا البدر العظيم، ومن خلفنا وهج الشمس الغاربة البرتقاليّ والقرمزيّ منيرةً جدران القلعة القديمة وتلقي بنورها الرائع فوق الجميع، وهكذا هو سوق طرابلس كما رأيناه لأول مرة، مركز الحياة في المكان، القويّ والحيوي المثير للإعجاب.

 في اليوم التالي عدنا لنلقي نظرةً أخرى على السوق في ضوء الشمس الساطع، إنه يبدو على إلى حدٍّ ما شاسعاً، لكنه في السابق كان أطول ويمتدُّ حتى الميناء وقد اقتُطِع جزء منه من أجل أغراض البناء.

أرغفة الخبز تبدو في وضح النهار بلونٍ ليمونيٍّ زاهٍ، وبلا ريب، يبدو أنه يوجد منه ما يكفي لإطعام جيش بأكمله، والضجيج والحركة في هذا الصباح عشرة أضعاف ما عليه الحال في المساء، مما يجعل من العسير العثور على مكانٍ خالٍ للتصوير، والجميع أظهر اهتماماً كبيراً بقيامي بالتصوير، ذلك لأنّ الطرابلسيين أقل البشر إثارة للملل.

رجل زنجيٌّ ذو ابتسامة عريضة يبدو أنه كان يظن الكاميرا مخصصةً فقط لإظهار جماله، أينما ألتفِتُ يقابلني وجهه متبسمّاً لي، ويائساً أحسّ بالإهانة عندما قلت له بلا شفقة "بالك".

خلف سوق الخبز، قبالة الجدار يوجد ركن الزنوج، فئة رفيعة يبيعون العطور والخرز إلى غير ذلك من الأشياء، نتوقف لشراء بيضة بحجم الشحرور مصنوعة من العظام، يضع التاجر فيها عجينة من مسحوق المسك الممزوج مع قليل من عطر الياسمين، إنه يودّ مني شراء عقدٍ كاملٍ منها، لكنني أجد أن واحداً كافياً فالعطر قويٌّ.

ها نحن نرى سوق الإبل بكل الأحجام والأعمار، بالقرب منه مجموعةٌ من العرب يبيعون الأبقار، عينات بائسة إلى حدٍّ ما، ثيران وعجول وأغنام وماعز، مشهد أكثر هدوءاً ووداعة إلى أن يبدأ رجلان، عربيٌّ وزنجيٌّ، بالتفاوض حول ثورٍ صغيرٍ جداً، يقفز أحدهما فوق الآخر ويخوضان نزالاً عنيفاً، بدا الأمر كعاصفة مفاجئة هبت على بحر هادئ، الضجيج يمسي صاخباً حينما تجمهر المشاهدون وهم يصرخون محرّضين أحدهما على الآخر، إلى أن أتى إيطاليٌّ ضخم شديد البنية وفرّق المتقاتلَين، وبعد لحظة يتناقش الرجلان حول الثور بطريقة في منتهى الوديّة.

صفوف أكواخ الخضروات والفواكه مبهرجة بالألوان، إنه قسم النساء الزنجيات، وهنّ يشكلن خلفية رائعة لفلفلهنّ القرمزيّ والبرتقال والبطيخ الأخضر والتمور الذهبية والبصل الأرجوانيّ، وبين صفوف الأكشاك يجول بائع الماء جيئةً وذهاباً بسلّته القصديرية الخضراء المليئة بالأكواب الصغيرة الملونة، وعلبته القصديرية الخضراء الكبيرة وهو ينادي: "اشرب، اشرب".

بالقرب ثمة بائع الفخاريات الزنجيّ وكل الأواني رماديّة اللون وتبدو تماماً ككومة من القطع المحطمة. وجه الزنجي يبدو مثلها، ربما بسبب قربه الدائم منها، بائعو الخشب لديهم أكوام من قطع الخشب المكسور وعراجبن النخيل قبالة شارع باب الجديد والتي يأخذها الحدادون، في النهاية يوجد بئر عربيّ قديم بقائمتين من الآجر على شكل الآذان.

يوجد هناك سوقٌ منفصلٌ، ساحةٌ كبيرةٌ محاطة بسياج ولها ثلاثة مداخل، كان يباع فيه نبات الحلفا الذي كان أحد أكبر منتجات البلاد، ولكن منذ اندلاع الحرب توقف العرب عن جلبه لبيعه في طرابلس، وهو ينمو في شجيرات رمادية صغيرة على حافّة الصحراء، ويستعمله فقراء العرب أحياناً كعلف لإبلهم، ولكن يتعين عليهم أن يقدموا للحيوانات الماء المالح كل ثلاثة أو أربعة أيام لإبطال الآثار السيئة للحلفا.

سوق السمك القريب من الميناء حديث تماماً وقد شيده الإيطاليون مؤخراً، وضجيجه يفوق ضجيج كل الأسواق مجتمعة، العديد من الصيادين مالطيون، وبينما كنا هناك أحدُهم جلب كلبَ بحرٍ ضخماً للبيع، وخلال أقل من دقيقتين تمّ تقطيعه وبيعه بأكمله.



خلال كل هذا الوقت كانت الغيوم السوداء الهائلة تتجمع، لتتساقط بعد ذلك أولى قطرات المطر الثقيلة، وكان لدينا الوقت الكافي للوصول إلى المنزل قبل هبوب العاصفة، كان هذا أول هطول للمطر في طرابلس منذ خمسة أشهر، فقد اندلعت موجة حرّ شديدة من اليوم الأول من سبتمبر إلى يوم 17 منه، حيث هبّت القبلي أو الرياح الساخنة، ودرجة الحرارة في الظلّ 40 درجة مئوية قد جفّفت الأرض، والعاصفة أعادت الحياة إليها.

بعد الاحتلال قام الإيطاليون بإعادة تسمية الشوارع، أو بالأحرى منحوا أسماءً للشوارع التي لم يطلق عليها الأتراك أسماءً رسمية، وهكذا فشارع القنصلية البريطانية كما كان يعرف سابقاً صار اسمه الآن شارع الإسبانيول.

مقرُّ ممثلنا يقع في قصر عربيّ قديم مهيب، فيه فناء رحب جداً وبه كثير من الغرف الرفيعة وشرفة ذات إطلالة، وكان مفتاح هو الساعي الذي ظلَّ في خدمة القنصلية البريطانية لمدة أربعين سنة خلفاً لأبيه الذي شغل الوظيفة نفسها لأكثر من خمسين عاماً قبل احتلال الأتراك لطرابلس في ظل سلالة القره مانلي القديمة، ومفتاح من الطراز الرفيع، طويل القامة عريض المنكبين، وقد استقبلنا بلطفٍ عربيٍّ حقيقيٍّ وكرمِ ضيافةٍ عندما ذهبنا لزيارته في منزله في اليوم التالي حيث قابلت زوجتيه وزوجة ابنه، وأبدت كل واحدة منا إعجابها بحُليّ الأخرى، وأرينني في غرفة زوجة ابنه المطروزات التي حاكتها بنفسها، وقبل زواجها بعامين كانت تعمل على الوسائد والصناديق والأغطية، وكلها موشّاة بطريقة رائعة بالحرير والفضة، هي في سن الثامنة عشر وتزوجت منذ ستة شهور ولكنها لم تعد تطرز الآن، وبجلاء هذه من التوافه التي يجب تركها بعد الزواج.

كان المنزل بأكمله، الممرّ والفناء نظيفين تماماً، وعندما أبديت إعجابي بذلك قال مفتاح: "أجل نحن نظيفون لأننا كنا دائماً نعمل مع الإنجليز ونحن نحب ذلك". (هذه ملاحظة غير لائقة والتي جانبت المؤلفة فيها الصواب فهي لم تكن تعلم على ما يبدو أن المسلمين من أشد الناس تمسكاً بالنظافة التي يحث الإسلام عليها، وأنّ هناك فرقاً بين عدم النظافة وبين الفقر).

زوجة الإبن الصغيرة اللطيفة أعطتني هديةً تذكاريةً ساحرة لزيارتي على شكل صندوقٍ مطرّز، وبعدما احتسينا قليلاً من القهوة التركية اللذيذة، خرجنا إلى الشوارع العربية الهادئة الضيقة، حيث كلُّ شيء عتيقٌ وغامضٌ نزولاً إلى شارع طرابلس الرئيسيّ، شارع العزيزية بمبانيه الجميلة ومقاهيه الفاخرة وحشوده من مختلف الأجناس والإضاءة الكهربائية، وهذه الأخيرة نعمة حديثة منحها الإيطاليون للمدينة بأكملها، وفي ظل النظام التركيّ إن أراد شخصٌ الخروج بعد حلول الظلام كان عليه أن يحمل مصباحه الخاصّ، لم يكن هناك على الإطلاق نظام إنارة في الشوارع.

وهكذا تمر انطباعاتنا الأولى متسلسلة من القديم إلى الحديث في هذه المدينة المليئة بالإثارة والسحر.